كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":
رصدت في الآونة الأخيرة حركة سياسية على مستوى المعارضة الداخلية في "التيار الوطني الحر" في أكثر من اتجاه، بدأت أهدافها تتبلور توصّلا الى توحيد الرؤيا بين مختلف شرائح هذه القوى، بانتظار "تفعيل حركة احتجاجية ناشطة" بعدما أبدى نائب رئيس الحكومة السابق اللواء عصام أبو جمرا خيبته من المساعي التي بذلت في سبيل تقويم الاعوجاج وتصحيح مسيرة الحزب.
وفي هذا الإطار، تمّ تسجيل عدد من المحطات والاستحقاقات التي وجدت الكوادر المعارضة داخل صفوف التيّار الوطني الحر أنها جاءت من حيث توقيتها لتسجّل نقاطا اضافية لمصلحتهم، ضمن سلة مهّدت الطريق لها للتحرك أكثر فأكثر وبحرّية أكبر، مستفيدة من تزمّت شعبيّ إزاء الخروقات والمعوقات التي شهدتها قوى الثامن من آذار.
فمن جهة، جاء الحشد المليوني في 13 آذار الماضي ليعزّز حجّة هؤلاء القائلة أنّ كلّ ما حكي من قبل قوى الأقلية السابقة طوال السنوات السابقة عن أنّ شعلة 14 آذار انطفأت وأنّ شعبيتها الى انحسار قد تبدّدت.
وأظهرت الصوَر والأرقام أنّ نصف الشعب اللبناني لا يزال يؤمن بمبادئ "ثورة الارز"، في حين أنّ لا ملفّ التوتر أكسب التيار الوطني الحر بل نهش من رصيده ومصداقيته، ولا آمال التيار بانتخاب بطريرك جديد من بين أسماء تداولتها وسائل الإعلام "البرتقالية" وروّجت لها كالمطران مظلوم والأب كميل مبارك وسواهما أتت لمصلحته، إنما هذه الآمال تبدّدت بعد أن دقّت أجراس بكركي إيذانا بانتخاب البطريرك بشارة الراعي على رأس الكنيسة المارونية، وهو المعروف بمواقفه من الجزر الأمنية والدويلات الطائفية، وقد سبق أن عارض النائب ميشال عون في أكثر من مناسبة، خاصة عندما ردّ عليه رافضا المقاربة بين ذكرى عاشوراء وذكرى آلام السيّد المسيح، كما عندما استهجن إدخال لبنان في المحاور الإقليمية والدولية، مشدّدا على أنّ "هذا الاسلوب لا يبني وطنا"، لأنّ بناء الوطن يتمّ من خلال ما سأعطيه وليس من خلال ما سآخذه"، متمنيّا أن تخرج الحكومة من إطار هذه الصراعات و"أن تكون مصغّرة ومن وزراء تكنوقراط حياديين غير تابعين لأي طرف من الأطراف، وذلك من أجل إحياء دور الحكومة والإدارة والسلطة التنفيذية". كما موقفه من تعطيل مؤسسات الدولة إضافة إلى ردوده على الرئيس الإيراني بما يتعلق بالمحكمة الدولية التي يدعمها بقوة ويطالب بأن تأخذ العدالة مجراها.
وفي سياق حركة الاحتجاجات الحاصلة داخل "التيار" أكّدت معلومات موثوقة، حصول اجتماعات ولقاءات توزعت بين قضاءي بعبدا والمتن عقد إحداها في منزل ناشط سابق حضره مرجع سابق رفيع في "التيار" إضافة إلى عدد من الضباط المتقاعدين كانوا في الأمس القريب يدينون بالولاء للعماد عون، بحضور أحد القياديين الناشطين من أقارب عون ونسيب نائب متني سابق من تكتل التغيير والإصلاح، وعدد من الكوادر الحزبية، وكان إجماع من الحاضرين بأنّ الصراعات داخل "التيار" تتجه نحو المحاصصات، بحيث إنّ "الأجنحة" داخل التيار هي التي تبسط سيطرتها استعدادا لخوض "المعركة الكبرى" التي لن تكون لمصلحة أحد، بل على حساب مستقبل "التيار" وديمومته.
وينسحب هذا الأداء "المتوتر" داخليا على الأداء العام، كما أضافت المعلومات، التي لفتت إلى أنّ البارز في العراقيل التي تؤخر وصول الملفّ الحكومي إلى الإنجاز مرتبطة بنسبة كبيرة بسقف المطالب العالي الذي رفعته قيادة "التيار الوطني الحر" تحت عنوان توظيف الانقلاب في السلطة وتحولها من مقاعد الأقلّية إلى الأكثرية.
وتحدّثت عن تجاهل أو إهمال هذه القيادة لتداعيات هذه الشروط على الاستحقاق الحكومي، خصوصا وأنها تحوّلت عبئا على الرئيس المكلّف نجيب ميقايت الذي ما زال يعمل على تذليل العقد المحلّية، كما الخارجية، أمام ولادة حكومته.
وفي سياق متصل، فإنّ هذه المراوحة التي بدأت تطبع المشهد الحكومي، وتسعى قيادات الأكثرية الجديدة إلى نفيها من دون جدوى، تضغط بقوة على الساحة الداخلية في ضوء التطورات الجارية في المنطقة، والتي بدلا من أن تحفّز على إنجاز التشكيلة الحكومية "الأكثرية" باتت تؤخّرها وتكشف عن تباين في النظرة الإقليمية في هويتها ونسبة تمثيلها لكلّ شرائح المجتمع اللبناني.
وفي غياب المبرّرات لدى الأكثريين المتخبّطين بمطالبهم المتضاربة، أتت المواقف الأخيرة لقادة 8 آذار التي اتسمت مجدّدا بالتهديد والوعيد للفريق الآخر، لترسم أكثر من تساؤل حول مدى "الكيديّة" التي ستطبع المرحلة الآتية من السلطة.
وفي هذا السياق، فإنّ اللهجة التصعيدية الأخيرة مرتبطة بشكل كبير بما سجّل من حراك سياسي سعودي في دمشق خلال الاسبوع الماضي، والذي أعاد التواصل السوري – السعودي، وفتح ثغرة في الجمود على هذا المحور، ممّا سمح بإعادة خلط الأوراق الاقليمية وتوفّر معطيات جديدة ستبرز تباعا على الساحة اللبنانية وتتجسد بشكل خاص في الاستحقاق الحكومي المتعثر.