أطلّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ليعلن تبنّيه للفكر الثورويّ العربيّ الذي ينتشر في العالم العربي اليوم. وذلك بعد سقوط المنظومة الجهاديّة التي ملّت منها الشعوب العربيّة حيث بدأت بإعلان الثّورات على كلّ الحكّام الذين قبعوا في رئاساتهم لأكثر من ثلاثة عقود.
وما فات السيد حسن أنّ أيّ من هذه الثّورات لم تطلق شعارا واحدا من شعاراته. فلم نر على سبيل المثال لا الحصر، شعار "لا للإمبرياليّة" أو "نعم لمحاربة الصّهيونيّة وزوال اسرائيل من الوجود" أو "الموت لأمريكا"، كلّ هذه الشّعارات سقطت في العالم العربي والشّعوب العربيّة تطمح اليوم الى نظام حرّ سيّد ومستقلّ يضمن حرّيّاتها فقط وهي تكفل القيام بالباقي من تعديل وتحديث في الدساتير والأنظمة وتطوير الفكر العربيّ.
أمّا السّؤال المطروح هنا، فلماذا السّيّد حسن، صاحب الفكر التيولوجيّ والتوتاليتاريّ، سارع الى دعم هذه الثورات التي لم تطلق أيّ من شعاراته؟ لسبب من اثنين لا ثالث لهما، إمّا لأنّهم كـ"حزب الله" يستشعرون اليوم بنغمة الحرّيّة تعزف وسط شارعهم الشّيعيّ، أو لأنّهم شعروا بأنّ الأساس الذي بنوا عليه حزبهم قد وصل الى الزّوال، فهم أيقنوا بأنّهم لن يرموا اسرائيل في البحر وتحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة أو حتى ترسيم الحدود البرّيّة والبحريّة مع سوريا واسرائيل. فمنطق علم السياسة يفرض تحديث الفكر السياسي لكل حزب مواكبة لمجريات الأحداث التي تطرق بعد تكوين الحزب، فكل حزب لا يواكب الأحداث تجرفه أمواج الحداثة ويزول لانتفاء حجّة وجوده.
فـ"حزب الله" دخل بوّابة التحديث السياسي من بوابة الثورات العربيّة ضدّ الأنظمة وهو يسعى ليؤسّس لثورة ضدّ النّظام فيصبح عندها صاحب الفكر التّحرّري والثّورويّ ضدّ النّظام الذي بات هرما في لبنان، وبالتّالي يجدّد الحاجة الى وجوده من خارج منظومة الدّفاع عن لبنان في وجه العدوّ الإسرائيليّ من الدون التّخلّي عن فكرة إزالة اسرائيل من الوجود. وبهذه الطريقة يكون الحزب قد واكب ثورات الحداثة في الفكر السياسي وتبنّى الفكر التّحديثيّ ليؤمّن ديمومته واستمراره وسط التّركيبة اللبنانيّة الجديدة.
وبذلك يكون قد وضع نفسه بمواجهة التحديث السياسي الذي تطلقه حركة "14 آذار"، فهو كحزب سياسيّ ألغى الدّستور ونصّب نفسه موزّعًا للحرّيّات على أبناء الشّعب الواحد، وهو لا يستطيع الخروج من فكر الفقيه الذي يأسره ويأسر كلّ من يحالفه. هذه الأساليب لن تنطلي على الأحرار الذين دفعوا ثمن حرّيّاتهم سجنا واعتقالا وخطفا وشهادة واعتداء على مناطقهم الآمنة في برج أبي حيدر وعين الرّمانة. حتّى ما تضمرون به بات مكشوفًا ولن يمرّ مرور الكرام والحمدلله انّ الردّ صدر من منظّمي هذه الثورات الذين سارعوا لنفي أيّ علاقة أو ارتباط لهم بـ"حزب الله" لا من بعيد ولا حتى من قريب.
يبقى فقط أن نذكّر بأنّ الحرّيّة لا تكون موثوقة اليدين بمعتقدات دينيّة عقائديّة صارمة نعرف أين تبدأ ولا نعرف أين تنتهي. من هذا المنطلق فليبحث السّيّد حسن وحزبه عن غير هذه الطرق لتحديث فكرهم السياسي لأنّه لا تطابق بين السلاح والحرّيّة. فهم فضّلوا السّلاح على الحرّيّة، أمّا نحن فحرّيتنا وحدها سلاحنا ولا نبادلها بشيء مهما علا ثمنه.