أحيت عائلة أنطوان شويري الأحد الذكرى السنوية الأولى لغياب "من زرع الفرح في قلوب اللبنانيين وحمل الرياضة اللبنانية عبر الحكمة وكرة السلة الى منصات التتويج العالمية والاسيوية والعربية"، بقداس لراحة نفسه في كاتدرائية مار جرجس المارونية – بيروت، ترأسه رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر، وعاونه فيه الخوري ريشارد أبو صالح والخوري جو دكاش، بمشاركة رئيس كهنة الكاتدرائية المونسنيور إغناطيوس الأسمر ولفيف من الكهنة.
وشارك في القداس ايضا النائب نديم الجميل، الوزيرة السابقة نايلة معوض، الوزير السابق سيبوه هوفنانيان، المستشار السابق لرئاسة الجمهورية رفيق شلالا ورؤساء إتحادات وأندية رياضية وشبابية وهيئات إعلامية وإعلانية وإجتماعية وإنسانية.
وبعد الإنجيل، ألقى المطران مطر عظة جاء فيها: "نقيم في هذا القداس التذكار السنوي الأول لرحيل عزيزنا المرحوم أنطوان الشويري، ابن الكنيسة البار وفقيد لبنان الغالي والمحب لشعبه بتلك المحبة التي ما عرفت عنده حدودا ولا قيودا حتى الرمق الأخير. غاب لسنة من الآن، لكنه بقي حاضرا بطيفه الرقيق. إنه حاضر في قلب عائلته الكريمة، مع شريكة حياته وولديه وأحفاده وهم ما اجتمعوا في هذا العام لحظة إلا وكان بينهم يسدي النصح ويشد العزائم ويلقي في قلب كل منهم وهجا من قوته ورقة شعوره. وهو حاضر لدى كل فرد من العاملين في مؤسساته العامرة في لبنان وخارجه، يطلب منهم الاستمرار في العمل والحياة والثبات في الإقدام والنجاح وألا يتراجعوا أبدا في ما يقومون به، أقوياء بالثقة المطلقة التي كان يمنحهم إياها وبالإيمان الذي كان يدعوهم إلى التمسك به للصبر على المكاره، ولجبه الصعاب على أنواعها وصولا إلى تطويع المستحيل".
وقال المطران مطر: "ما من شك في أنه بقي حاضرا في قلوب الآلاف من الأصدقاء والمحبين، أولئك الذين توافدوا من كل لبنان، أنحاء وأطيافا، ومن الدول العربية المجاورة، تحملهم عاطفتهم كما تقديرهم للرجل غير العادي على التجمع للصلاة في هذه الكاتدرائية في يوم وداعه الأخير، إظهارا لعرفان، أو ذرفا لدمعة حب أو إعرابا عن طيب صداقة وجميل وفاء". واضاف: "نذكر أولا في صلاتنا أنطوان الشويري المؤمن بربه والمحب لكنيسته حبا مطلقا ملأ كيانه صغيرا وملأه كبيرا من دون تردد ولا انقطاع. إنه ابن بشري أولا وآخرا، تلك البلدة المحبة المسيح والمطلة على الوادي المقدس، وادي البطاركة والنساك وصاقلي الهوية المارونية بتفضيل كنز السماء على كنوز الأرض وما فيها. نذكره مع جبران خليل جبران ابن مدينته التي تغرب عنها إلى ما وراء البحار، فإذا بالداخلين إلى غرفته يوم وفاته يفاجأون بصورة العذراء مريم تتصدر إحدى جدرانها وبمبخرة قديمة تركن في إحدى حناياها. هكذا عزيزنا أنطوان عاش ومات متمسكا بمحبة العذراء مريم أمه وأم كنيسته وأم عائلته، لا يخاف من أن يرش ماء مباركا من مزاراتها حتى على المتبارين في ناديه ليكون لهم العزم ويثبت تحالفهم مع ما يستحقون من حسن نتائج".
وتابع رئيس اساقفة بيروت للموارنة: "لقد دفعت محبة أنطوان الشويري لكنيسته إلى أن يصب اهتماما خاصا ومستمرا في مجال المساعدة على بنيان بيوت الهم حيث طلب منه أن يساعد. وإن هذه الكاتدرائية تشهد لمحبته، وهي التي أسهم في ترميمها بعد الحرب الأخيرة مع كبار المحسنين إليها، وأسهم في ما بعد لرفع قبتها العالية التي ترونها وقد ارتفعت بإذن الله ولتمجيده تحت سماء عاصمتنا بيروت. وكم ارتاحت روحه في العلياء عندما اتخذت شريكة حياته الكريمة وسائر أفراد العائلة قرارا سجله التاريخ بتقدمة تكاليف التمثال الذي أذن قداسة البابا بأن يوضع لمار مارون في إحدى الحنايا الخارجية لكنيسة القديس بطرس في روما الخالدة، في مناسبة مرور ألف وستمائة سنة على انتقاله إلى بيت الآب. ولئن كانت هذه السنة سنة يوبيلية للقديس مارون أبي كنيستنا وشفيعها لدى الله فإنها ارتبطت أيضا في أذهاننا بالذكرى العطرة التي تركها هذا الماروني الأصيل مع رحيله من هذه الدنيا ومع تقدمة عائلته لهذا التمثال الذي سيشهد من مكانه على مسيرة الموارنة، من المشاركة في حمل صليب المسيح إلى المشاركة في نعمة قيامته".
وأضاف: "مثلما كان أنطوان محبا لكنيسته كان أيضا مخلصا لوطنه، يحمله في قلبه على الدوام ويعمل ما في وسعه لرفع علمه عاليا بين الأعلام. ولقد كان حقا من رجالات لبنان في هذه المرحلة الدقيقة التي مر بها الوطن. فهو العصامي أولا في أعماله ومبادراته، والذي وسع دائرة نشاطه إلى خارج البلاد في أوروبا وفي دول الخليج العربي. وكان من أهدافه الحفاظ على موظفيه في زمن الاضطراب العصيب. فوفقه الله في إنشاء امبراطورية كبيرة عززت موقع وطنه وشهدت للنبوغ اللبناني في أكثر من بلد وفي أوسع من مجال. على أن أنطوان لم يكتف بإدارة أعماله ومؤسساته، فهو ما كان يبغي النجاح للنجاح، بل حمل في قلبه هم لبنان وراح يسعى مع أهل الحل والربط في الحياة الوطنية إلى تقريب وجهات النظر وإلى تلاقي القيادات على مصلحة البلاد قبل كل مصلحة وفوق أي اعتبار. ولقد تعود من أجل ذلك أن يقول الحق من دون خشية من أحد، ومن دون المس بكرامة أحد أيضا لأنه ما آمن يوما بإلغاء الآخر بل بضرورة التلاقي معه من أجل توفير الحلول الناجعة لمشاكل كانت تهدد المصير الوطني برمته".
وتابع: "لقد تجلى أيضا حبه لوطنه بالاهتمام الذي خص به عالم الرياضة. فترأس أحد أهم نوادي الشبيبة في البلاد وراح يشجع الحليف والمنافس معا بروح رياضية عالية على التقدم والعمل الدؤوب ليصل اسم لبنان واللبنانيين إلى أعلى المراتب العالمية. وفي الحقيقة، كان لهذا العمل الرياضي المميز أن يساعد اللبنانيين على الإيمان بوطنهم الموحد وبقدرتهم على العطاء يوم كانت السياسة تفرقهم وتحمل بعضهم على الشك في قدرة البلاد على تخطي مآسيها".
ولفت المطران مطر الى ان "محبة الشويري لمجمل الناس من أبناء الوطن، للمتألمين منهم والمحتاجين، كانت أعمق مما يتصور إنسان، حتى بين أقرب المقربين إليه. فهو ما كان يرد أحدا خائبا إذا ما طلب منه عونا أو مساعدة، بل كان يحنو على من يصاب بوجع أيا كان هذا الوجع في نفسه أو في جسده. لقد كان سعيدا في حياته ولم يرد أن تحمله هذه السعادة على العيش في برج عاجي بل أراد أن يرى الناس أيضا سعداء من حوله. وهذا ما بدا للعيان في يوم وداعه الأخير عندما ظهرت محبة الناس له مجتمعة فيما كان يسعى هو على الدوام إلى اتباع قول الإنجيل ب"ألا تعلم شماله ما تصنع يمينه".
وقال: "ها نحن اليوم مجتمعون للصلاة من أجله، سائلين الله أن يغمره بالسعادة الأبدية التي لطالما تاقت إليها نفسه في تفتيشه عن وجه ربه عبر المحتاجين والمتألمين. وإنا نسأله تعالى أن يحفظ عائلته العزيزة التي أرادت أن يكون حضورها في المجتمع والوطن امتدادا لحضوره وأن تكون محبتها للناس تخليدا لذكرى محبته. فليوفق الله ملاك هذه العائلة ورفيقة عمر أنطوان في حمل مسؤوليات الأم والأب معا تجاه ولديها العزيزين وأحفادها، وأن تكون الحارسة بصلاتها ومحبتها لهذا الإرث الثمين من العطاء ونشر الخير بحسب إلهامات الروح وإنارته قلوب مؤمنيه".
وختم: "هناك صلاة مارونية تقول: "ليفرح الرب بنا كما نفرح به". بهذا الكلام نتوجه إلى عائلة العزيز أنطوان الشويري بالتعزية الحارة وإلى كل العاملين معه وإلى جميع قادريه ومحبيه. فهو اليوم يفرح بجوار ربه والله أيضا يفرح به ابنا وفيا لإيمانه، محبا للناس وخادما صالحا وسط شعبه. لذلك قال له الرب ويقول: "هلم يا ابني إلى ميراث الملكوت في قربي لأني كنت جائعا فأطعمتني عبر أخوتي هؤلاء الصغار. فلأنطوان سعادة الملكوت ولكم جميعا بلسم العزاء وللرب التسابيح والبركات إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين".