رغم ان الاوساط القريبة من رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي تقلّل من حجم التضخيم الاعلامي الذي يتحدّث عن تباينات عميقة بينه وبين أطراف الاكثرية الجديدة الداعمة له، اي فريق 8 آذار، فإن استمرار المراوحة في مهمّته يوحي على الأقل بصدقية الاتجاه القائل بأن المتغيرات العربية الكبيرة هي السبب الجوهري في تأخير تشكيل الحكومة الجديدة.
ورأت مصادر سياسية واسعة الاطلاع لصحيفة "الراي" الكويتية، انه مع اقتراب انصرام شهرين من تكليف ميقاتي في 25 كانون الأول الماضي، تبدو المفارقة السلبية ان مهمته ستكون مقبلة على مزيد من الانسداد والتعثر في ضوء التطورات المتسارعة الاخيرة في المنطقة، حتى على المستوى السوري الداخلي نفسه الذي يشهد تطورات لا يمكن تجاهل أثرها على السياسات السورية من الآن فصاعداً ومن ضمنها اداء دمشق وتعاملها مع الاستحقاق الحكومي اللبناني.
وأضافت ان خطاب الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله السبت، الذي بدا جازماً فيه بأن الاكثرية ستنجح في تشكيل الحكومة برئاسة ميقاتي، ابرز بوضوح المأزق الكبير الذي وقعت فيه هذه الاكثرية بعدما نجحت في اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري. ذلك ان هناك فارقاً هائلاً نشأ في الظروف الاقليمية والعربية في غضون الشهرين الماضيين، وهي ظروف لم يحسب لها احد حساباً، وباتت بمثابة بوصلة متحركة معقدة يصعب معها على قوى 8 آذار رسم اتجاهاتها بوضوح لحسم الاستحقاق الحكومي.
وأشارت المصادر الى ان الرئيس المكلف لم يعد وحده في مأزق عدم الإقدام وعدم التراجع، بل علقت معه كل اطراف الاكثرية الجديدة التي افتقدت فجأة الكلمة السورية الحاسمة التي من شأنها ان تزيل العقبات الداخلية بين حلفائها وتسهل مهمة الرئيس المكلف لألف حساب وحساب لدى دمشق. حتى انه بات يستبعد اكثر فأكثر ان يجري تذليل عقبات التأليف الحكومي وفق القواعد التي ظن اطراف 8 آذار انها لا تزال صالحة لإخراج الحكومة من مأزقها، مما يعني ان توزيع النسب فيها بين ثلثين لقوى 8 آذار وثلث لمجموع حصص رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط لم يعد وارداً بالقوة نفسها التي كان مرتقباً معها ان يشكل ميقاتي حكومته عقب اعلان قوى 14 آذار عدم مشاركتها في الحكومة.
وفي ضوء هذا المأزق وتمسك العماد ميشال عون بالحصول لوحده على ما لا يقل عن الثلث زائد واحد في الحكومة ومن ضمنها حقيبة الداخلية السيادية، تنظر المصادر الواسعة الاطلاع بكثير من الشك الى اي فرصة قريبة لخروج ميقاتي والأكثرية من المأزق. وفي رأيها ان الوضع اضحى مفتوحاً على انتظار طويل صعب ومنهك من شأنه ان يرتب مضاعفات ليس على الوضع اللبناني برمته فحسب بل على العلاقات بين بعض اطراف الاكثرية تحديداً. فهناك نفور آخذ بالتعاظم بين ميقاتي والعماد عون، ناهيك عن حالة الجفاء بل والصراع بين رئيس الجمهورية والعماد عون.
ورغم عدم ابرازه ذلك، فإن "حزب الله" واقِع بدوره في إحراج شديد بين حلفائه في وقت برزت فيه معالم تمايز واضح بين سوريا وايران بالنسبة الى تطورات الوضع العربي سواء في ليبيا او البحرين او سواهما.
ومع كل هذه اللوحة المعقدة من الحسابات الجديدة يصعب تصور تدخل سوري حاسم وقريب في الاستحقاق اللبناني الا في حالة لم تظهر مؤشراتها بعد وهي ان تجد دمشق مصلحتها في الاندفاع نحو بت هذا الاستحقاق من ضمن سعيها الى حماية وضعها الاقليمي والعربي والداخلي. وهو امر في رأي المصادر، قد يكون وارداً ولكن بعد فترة اضافية من الانتظار يستبعد ان تكون قصيرة.