إذا كان حزب الله قد استاء من مضمون الوثائق التي "قوّلت" مسؤولين لبنانيين ما قوّلته خلال حرب العام 2006، فإنّ مَن يدرك جيّدا كيفية عمل حزب الله وتكتيكاته يتأكّد من أنّ الحزب لم يقرر إقامة دعاوى قضائية أمام القضاء اللبناني على هؤلاء المسؤولين فقط بسبب الاستياء او لتحصيل الحقوق المهدورة لشهداء العام 2006.
فإقامة هذه الدعاوى، وفي هذا التوقيت، طرحت أكثر من علامة استفهام حول الجدوى الذي يفترض الحزب أنه سيحصل عليه جراء تحريك هذه المسألة، خصوصا وأنّ طريقة نشر الوثائق، والوسيلة التي تنشر عبرها يدلّان على أنّ حزب الله اعتمد في قضية الويكيليكس الأسلوب نفسه الذي اعتمده في تسريب مضمون الإفادات التي استمع اليها التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم التي تلتها.
ومن المفارقات الواضحة أنّ قرار رفع الدعاوى لم يتخذ فور البدء بنشر الموجة الأولى من الوثائق، بل انتظر إلى توقيت بات يعتبره حزب الله مثاليا لاستباق القرار الظنّي بحملة قضائية على رموز 14 آذار تؤدي الغرض نفسه الذي عجزت الحملة المفبركة والضعيفة التي شنّها الحزب على ما يسمى شهود الزور. وقد تناهى إلى مسامع أكثر من مرجع مطّلع في بيروت أنّ حزب الله، الذي استعلم مسبقا بحكم قدرته على اختراق بعض المعطيات من داخل المحكمة الدولية، وقائع عن قيام المدّعي العام دانيال بلمار بإضافة معطيات جديدة إلى القرار الاتهامي تتعلق بربط مثبت بين منفذي اغتيال الحريري واغتيالات أخرى، من بينها مَن استهدف شخصيات سوف تطالها دعاوى الويكيليكس.
وإذا كان هذا الاستعلام قد شكّل أحد أسباب الإسراع في إقامة الدعاوى لمحاولة انجاح خطة إغراق القرار الاتهامي بالقنابل الدخانية، فإنّ الدعاوى سيكون مصيرها تماما كمصير المسارات الدخانية التي بدأت بالتشويش على عمل لجنة التحقيق الدولية منذ اليوم الاول لبدء عملها.
وفي هذا الاطار، يصحّ استذكار بعض هذه المسارات وما آلت إليه من نتائج أخفقت في وقف التحقيق الدولي، وعجزت عن تضليله، وأوّلها قضية ما يسمّى شهود الزور التي كشفت المعطيات بالوقائع انّ بطلها الابرز محمد زهير الصديق، بعد أن تحقق بالمعاينة المباشرة من عدم صحة ما أورده من معطيات لتعمد الى إبعاده، وربما طلب محاكمته في وقت سيأتي.
ومن المسارات الدخانية اللافتة التي استعملت لتضليل التحقيق قضية اللبنانيين الاوستراليين التي تمكنت لجنة التحقيق من الوصول بها الى حيث يجب أن تصل، أي الى اثبات أنّ كل التسريب المبرمج الذي سُرّب الى وسائل الاعلام بعد ساعات على اغتيال الحريري، كان مجرّد محاولة صرف الأنظار عن هوية الجناة، وقد ألبس لباس الاصولية السنيّة وهو لباس حاولت نفس الجهات الباسه الى احمد ابو عدس.
ولعل أبرز المسارات الدخانية التي استعملت للتشويش على عمل لجنة التحقيق الدولية، ومن ثم عمل المدّعي العام، قيام حزب الله بطرح فرضية التورط الاسرائيلي في اغتيال الحريري وباقي الشهداء، وهذه الفرضية التي بدأت بادعاء قيام اسرائيل باغتيال الحريري بصاروخ جو – أرض، توسعت لتصل الى حد عقد مؤتمر صحافي للسيد حسن نصرالله لم يستطع فيه حزب الله وضع الحد الادنى المقبول من الاثباتات لتأكيد الفرضية، وبقيت الفرضية مجرد فرضية، لم تؤشر على مسار التحقيق، خصوصا وقد امتنع حزب الله عن الاجابة على الطلب الرسمي لبلمار بايداعه كل ما يمتلكه من معطيات في جريمة الاغتيال.
ويبقى السؤال: هل سيستطيع حزب الله بعد ان فشلت كلّ القنابل الدخانية السابقة التشويش على القرار الاتهامي من خلال الدعاوى القضائية بحق رموز 14 آذار؟
الارجح أنّ هذه الدعاوى لن يكون لها أية قيمة قانونية، لأن أداء حكومة السنيورة اثناء حرب العام 2006 كان بشهادة الداخل والخارج، وبلسان الرئيس نبيه برّي (وصفه لحكومة السنيورة بانها حكومة مقاومة) اداء يهدف الى منع اسرائيل من تحقيق اهدافها من خلال الحرب، ويحفظ لهذه الحكومة انها حفضت مرتبة القرار 1701 من الفصل السابع وأنها عملت جاهدة على وقف اطلاق النار، وأنها صاغت البنود السبع التي كرّر السيد نصرالله خلال الحرب تمسكه بها، لاحتواء الاحتضان الدولي لاسرائيل وتحويله الى دعم للبنان في مواجهة تلك الحرب. ويومها كانت الإشادات تنهال على السنيورة لتتحول في اليوم الثاني لوقف الاعمال العدائية الى حملة تخوين مستمرة.
والدعاوى القضائية الجديدة التي يريد حزب الله من خلالها التشويش على القرار الاتهامي، يبدو انها ستنجح بالتشويش في مكان آخر، وذلك من خلال اضافة المزيد من الاثقال على رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، الذي بالكاد استطاع تمرير طريقة تكليفه امام طائفته، ليفاجأ فيما بعد انّ اسقاط الحريري بقوة القمصان السود جعل منه الشمّاعة التي ستعلق عليها الكثير من الملفّات السوداء، وأبرزها اليوم دعوى قضائية من حزب الله على سعد الحريري ومروان حمادة والياس المر وسمير جعجع.
وليس سرّا أنّ الدعاوى التي يحضر حزب الله لرفعها امام القضاء اللبناني ستفتح الباب امام دعاوى من نوع آخر، بدأ أهالي الشهداء المدنيين الذين ذهبوا ضحية الاغتيالات في التحضير لرفعها على كلّ مَن ترد اسماؤهم في القرار الاتهامي كمتورطين في الاغتيالات، وهذه الدعاوى لن تكون ردّة فعل على أي فعل او استفزاز، بل ستشكل رسالة الى كلّ من يهمه الأمر بانّ التنازل الموهوم عن العدالة والحقيقة بات من الماضي.