#dfp #adsense

الأولوية سيادية لا إصلاحية

حجم الخط

 

كتب شارل جبور: شهدت شوارع العاصمة بيروت يوم الأحد 20 آذار تظاهرة مطالبة بـ"إسقاط النظام الطائفي في لبنان". ويبدو أن هذا التحرك بات يتجه تدريجا نحو التوسع لا الانحسار، بدليل حصول ثلاث تظاهرات من هذا القبيل في أقل من شهر، وهذا ما يثير الريبة والاستغراب نظرا للطابع الإلحاحي الذي تتخذه هذه الحملة في مواجهة "النظام الطائفي ورموزه"، ولكون المشكلة الفعلية في لبنان هي من طبيعة وطنية- سياسية لا طائفية- مذهبية، مما يطرح جملة من الملاحظات لعل أبرزها:

أولا: يسجل أن انطلاق حملة "إسقاط النظام الطائفي" تم مباشرة بعد رفع قوى "14 آذار" شعار "إسقاط السلاح غير الشرعي من الحياة الوطنية اللبنانية"، مما يدل على أن التوقيت مشبوه لناحية إعادة إحياء اللعبة القديمة – الجديدة إياها، أي افتعال القضية الطائفية للتغطية على قضية السلاح، بمعنى خلق نقطة اهتمام وجذب موازية للسلاح.

ثانيا: من الثابت أنه لا يوجد في لبنان، أقله اليوم، حالة مستقلة عن الصراع الحاد القائم بين 8 و14 آذار، والاستقلالية المشار إليها هنا ليست من طبيعة تنظيمية – اصطفافية، إنما من طبيعة خيارات وطنية تقسم اللبنانيين بين مشروعين سياسيين لا ثالث لهما: بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة، بين لبنان الوطن ولبنان الساحة…

ثالثا: في حال لم تكن هذه الحركة من رحم "14 آذار" فهي حكما من رحم "8 آذار"، وبالتالي لا أحد يخبرنا بأن هؤلاء الناس الذين تظاهروا لإسقاط النظام الطائفي "نازلين من القمر"، وأنهم على مسافة واحدة من 8 و14 آذار أو أن ثمة بروز لخيار ثالث بين اللبنانيين، خصوصا أنه يستحيل، كما أسلفنا، بروز هكذا خيار في ظل الثنائية التي تحكم المشهد اللبناني. ولذلك، فإن المعادلة الفضلى التي تحكم مشهد هذه التظاهرات هي كالتالي: إذا كانوا مع بقاء سلاح "حزب الله" تحت أي ذريعة فهم من "8 آذار"، وإذا كانوا ضد هذا السلاح فهم من "14 آذار".

رابعا: يستحيل التوحد أو نشوء مساحة مشتركة بين 8 و14 آذار على عناوين إصلاحية، على أهمية هذه العناوين، وقبل الاتفاق على العناوين السيادية البديهية. فلم يسبق في التاريخ اللبناني، كي لا نستحضر تاريخ الشعوب في العالم، أن شكل مطلق أي عنوان إصلاحي مدخلا لانقسام عمودي بين اللبنانيين، إنما كل الانقسامات أو معظمها كانت تتلطى وراء عناوين إصلاحية، بينما سببها الرئيس كان الاختلاف على خيارات لبنان الأساسية ودور لبنان في الصراع العربي – الإسرائيلي.

خامسا: علمتنا التجربة أيضا، تجربة انتفاضة الاستقلال وما بعدها، أن الرأي العام الاستقلالي المستقل عن الأحزاب والشخصيات والقوى السياسية والذي شارك من تلقاء نفسه في الانتفاضة المجيدة والمحطات اللاحقة من دون استدعاء من أحد، هذا الرأي العام ليس فقط لم يطلق أي مبادرة وازنة تجسد حضوره وتنوعه وفعاليته على امتداد الأعوام السابقة، إنما حتى مشاركته الكثيفة والاستثنائية في يوم 14 آذار 2005 لما تحققت لولا الدعوات السياسية والتمهيد الذي قامت به القيادات السياسية، لا بل ان حركته بقيت مضبوطة ضمن إطار حركة "14 آذار" السياسية. وهذا ما يدل على أن التظاهرات المطالبة بـ"إسقاط النظام الطائفي في لبنان" محركة ومسيرة وموجهة من قبل 8 آذار.

سادسا: إذا كانت الطائفية في لبنان مشكلة، غير أن المعضلة الأساس تبقى في تغييب الدولة وتحويل لبنان إلى رأس حربة في محور بطموحات أقل ما يقال فيها "انها متواضعة"، إذ تبدأ من إسقاط دولة إسرائيل ولا تنتهي بإسقاط الاستكبار العالمي وما بينهما تعميم ولاية الفقيه على كل أبناء المعمورة. فلو افترضنا، على سبيل التعجيز، أن 8 و 14 آذار توافقوا على "إسقاط النظام الطائفي"، فهل تحل مشكلة السلاح غير الشرعي ومصادرة دور الدولة وخطف إرادة اللبنانيين، أم تضاف مشكلة إضافية إلى المشاكل القائمة وهي كسر الحلقة الطائفية التي حالت وتحول دون قيام نظام ديكتاتوري في لبنان، وتمكين فئة مذهبية مدججة بالسلاح وغير مؤمنة بلبنان من فرض هيمنتها على سائر الطوائف اللبنانية؟

سابعا: بدت لافتة "اليافطة" التي رفعها المنظمون في مسيرة "إسقاط النظام الطائفي" وأسقطوا منها صورة السيد حسن نصرالله والتي تم استبدالها بصورة النائب محمد رعد إلى جانب الرئيس الجميل والدكتور جعجع والعماد عون والرئيس الحريري والرئيس بري… فهل هذا يعني استثناء السيد نصرالله من رموز النظام الطائفي، علما أن نصرالله هو شخصية إسلامية – عقائدية وليس فقط طائفية؟ أم أن السيد نصرالله هو من "المقدسات" و"المحرمات" الممنوع مسها ولا مقاربتها أسوة بسائر الزعماء اللبنانيين؟ كما أن تصوير المشكلة بأنها في الزعامات السياسية ليست في محلها، لأن هذه الزعامات منتخبة من قبل الشعب اللبناني، إنما المشكلة الفعلية هي في خطف القرار السياسي للبنان ووضعه في سوريا وإيران.

ثامنا: لم يصدر أي نفي عما أوردته إحدى الصحف أن حزبيين في تظاهرة ما يسمى "إسقاط النظام الطائفي" منعوا شباناً من رفع صور وأسماء كل من الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وحسين مروة، وهذا ما يؤكد مجددا على هوية هذه التظاهرة الـ "8 آذارية".

تاسعا: لم يكن الرئيس بري موفقا في حماسته الشديدة لهذه التظاهرات، لأن هذه الحماسة المفرطة كشفت سريعا من يقف وراء هذا التحرك المكشوف أصلا، خصوصا أن بري شكل دوما رأس حربة مشروع إلغاء الطائفية السياسية، واستحضار هذا المشروع عندما تطلب منه سوريا ذلك بغية وضع "إلغاء الطائفية" في مواجهة "المطالب السيادية".
عاشرا: إن الهدف الأساس من وراء التحرك الهادف لـ"إسقاط النظام الطائفي" تحوير الأنظار عن معضلة سلاح "حزب الله".

ولكن ما تقدم لا يعني إطلاقا رفض المبدأ الإصلاحي، إذ عدا أن هذا النظام قدم كل ما عنده ووصل إلى الحائط المسدود، فإن اتفاق الطائف ينص بوضوح على بنود إصلاحية تطويرية للنظام السياسي في لبنان، إلا أن هذه البنود جاءت بشكل تراتبي، لجهة أن تطبيق البنود السيادية يفتح الباب أمام البنود الإصلاحية لا العكس. فلا يمكن تجاوز الطائفية قبل تثبيت حضور الدولة المصادرة من قبل "حزب الله". كما لا يمكن الكلام عن إصلاح في غياب الدولة، أو الكلام عن إسقاط نظام غير قائم أساسا، فعن أي نظام يمكن الحديث في ظل وجود سلاح "حزب الله" الذي يغيب الدولة، وبالتالي لا إصلاح قبل نزع سلاح "حزب الله"، وما "الخربطة" في ترتيب الأولويات إلا فبركة قديمة – جديدة الغاية منها التخويف بالإصلاح لردع المطالب السيادية، وبالتالي تحويل الإصلاح بهذا المعنى إلى فزاعة في وجه السياديين.

ولعل الأولوية السيادية التي تحتم تثبيت الدولة سيادتها على أرضها لا تحول دون أن تطرح قوى "14 آذار" رؤيتها المتكاملة ببعديها السيادي والإصلاحي (وهذا ما تضمنته وثيقة هذه القوى في "مؤتمر البريستول" الرابع في الذكرى السادسة لانطلاق انتفاضة الاستقلال) لثلاثة أسباب رئيسة:

السبب الأول: استيعاب الشرائح المدنية وعدم تركها فريسة الطرح الإصلاحي المموه بخلفية دكتاتورية-إلغائية-طائفية – فئوية – رجعية.
السبب الثاني: الالتزام بتوجه سيادي – إصلاحي والعمل على نشره وتعميمه بغية تحويله إلى مطلب شعبي، لا نخبوي، وتحريره من عناصر الخوف والتخويف…
السبب الثالث: الربط مع التغيير الحاصل في البلدان العربية وتحقيق النقلة المطلوبة في النظام السياسي اللبناني.

شارل جبور- دائرة التحليل السياسي – المركز اللبناني للمعاومات- لبنان

 

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل