كتبت هنادي السمرا في"اللواء": في ظل المتغيرات السياسية، والحرتقات التي تقوم بها القوى السياسية على اكثر من محور، سواء داخل الحكومة نفسها (أكانت حكومة وحدة او غير ذلك)، أو تحت قبة البرلمان، بين الكتل البرلمانية (والذي يترجم حيناً في صراع داخل اللجان النيابية، او تصويتاً في الهيئة العامة)، فأن المهزلة وللأسف ان ينعكس ذلك على المصلحة العامة، سواء جاء هذا الأمر عن قصد أو غير قصد· وإذا كان الأمر قد لا يخرج عن نطاق الزكزكات السياسية، التي لا تسبب إلا فوضى على الساحة الداخلية بل إرباك في نمط التعاطي السياسي بين الأفرقاء، وهذا ليس بالأمر السهل، إلا أنه يبقى ممكن معالجته طالما كان هناك عقلاء أولاً، ومونة خارجية على المتخاطبين اللبنانيين! أما وأن يتحول الموضوع الى تعطيل وعرقلة، حيناُ، أو عدم الإلتزام بالآليات الدستورية، لغاية في نفس يعقوب، أو لأسباب غير واضحة إلا من وجهة نظر المعرقل أو ناقض الإلتزام، فهذا الأمر فيه الكثير الكثير من الخطورة، ليس في التأسيس لسوابق قانونية أو دستورية فحسب، بل أيضاً من حيث التأثير بشكل مباشر على الدولة ككل ومرافقها العامة: وهنا فأن الأمر يخص الموازنة العامة ، السابقة والحالية، لا بل كل الموازنات التي لم تبصر النور لأسباب باتت معروفة لدى الجميع، ما حصل في المرحلة السياسية السابقة (وبالأخص ما أحاط بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة وما رافقها من تسميات، ومن ثم الآلية التي رافقت مجيء حكومة الرئيس سعد الحريري وما وصلت إليه اليوم)، وقد يكون للأعراف أو البدع، شأن كبير في التصرفات البرلمانية، أما وأن يصبح العرف هو السباق الى النصوص الدستورية، فهذا يستحق التساؤل عن الهدف من النصوص طالما أن النفوس هي الأقدر على تمرير ما يمكن تمريره·
ففي الدستور وتحديداً المادة 32 منه> يجتمع المجلس في كل سنة في عقدين عاديين فالعقد الأول يبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر آذار وتتوالى جلساته حتى نهاية شهر أيار والعقد الثاني يبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول وتخصص جلساته بالبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر وتدوم مدة هذا العقد إلى آخر السنة>· وفي هذا المجال، ومنذ أعوام بقيت الموازنات عالقة بين التجاذبات السياسية من جهة، وبين المتغيرات الدستورية من جهة ثانية· إلا أنه ورغم تأخر الحكومة الآخيرة في ارسال موازنة العام 2010 إلا أن الأخيرة لا تزال عالقة في ادراج لجنة المال والموازنة، التي يرأسها عضو تكتل <التغيير والإصلاح>، نتيجة الخلاف الحاد مع فريق عمل وزارة المال ?أو كتلة المستقبل- بالإضافة إلى ما تحمله الموازنة من بنود خلافية سياسياً ظهرت معالمها في المهاترات والمواجهات التي حصلت أكثر من مرة داخل اللجنة ، وفي ظل الإصرار على إرسال <قطوعات الحساب> قبل الموازنة (وقد يكون لهذا الإصرار استناداً الى نص النظام الداخلي)، وهذا فيه المبرر الشافي، أما ان يقع الخلاف على القطوعات ما أدى إلى تشكيل لجنة داخل اللجنة والخوف أن يصح المثل القائل < اللجان مقبرة المشاريع>·
إذاً، يقول نائب بارز في كتلة المستقبل أن ما يحصل اليوم لا يختلف عما يحصل في السابق، فالضرورات تبيح المحظورات، وقد يكون للتمسك الأعمى للدستور تداعياته في ظل وجود بعض الظروف المستجدة، وإلا فأن تمرير أمور الدولة سيخضع لفرملة لا يحمد عقباها·
ويسأل النائب لماذا يسمح لفريق ما لا يسمح للفريق الآخر، على قاعدة <يحق للشاعر ما لا يحق لغيره>، وهل أن الحكومات السابقة كانت شاهدة زور، بكل ما فيها من قوى سياسية·
في المقلب الآخر، تؤكد مواقف رئيس اللجنة، أن لا تراجع عن ما يسميه <الإصلاح المالي> وإن كان لهذا الإصرار مترتباته في إستئخار إقرار الموازنات·
وبين هذا وذاك، فأن الموازنة ضائعة بين عدم التوافق مع آلية عمل وزارة المال سياسياً، وبين مصير الحكومة، بما يجعل من مبدأ أو الصرف على القاعدة الإثني عشرية حقيقة واقعة، بالعرف وليس بالعودة الى المجلس النيابي، وهذا الأمر يؤسس لسابقة على أكثر من محور، لا بل سيعود اليها كل فريق في تحولت الأحوال، أكان الى أحسن حال أم أسوأ حال، والشواهد الحية كثيرة·
وفي استعانة أكثر توضيحاً للنصوص الدستورية، نستعين بنص المادة 83 من الدستور: <كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة يقترع على الموازنة بنداً بنداً>·
أما المادة 86 فهي واضحة لجهة مدى تأثير عدم الإلتزام بالمهل على تجاوز الأصول الدستورية بما يطعن في الصميم نية المشترع في وضع هذه النصوص:>إذا لم يبت مجلس النواب نهائياً في شأن مشروع الموازنة قبل الإنتهاء من العقد المعين لدرسه فرئيس الجمهورية بالإتفاق مع رئيس الحكومة يدعو المجلس فوراً لعقد إستثنائي يستمر لغاية نهاية كانون الثاني لمتابعة درس الموازنة وإذا انقضى العقد الإستثنائي هذا ولم يبت نهائياً في مشروع الموازنة قد يطرح على المجلس قبل بداية عقده بخمسة عشر يوماً على الأقل· على أنه في مدة العقد الإستثنائي المذكور تجبى الضرائب والتكاليف والرسوم والمكوس والعائدات الأخرى كما في السابق وتؤخذ ميزانية السنة السابقة أساساً ويضاف إليها ما فتح بها من الإعتمادات الإضافية الدائمة ويحذف منها ما أسقط من الإعتمادات الدائمة وتأخذ الحكومة نفقات شهر كانون الثاني من السنة الجديدة على القاعدة الإثني عشرية>·
إلا أن كل هذه المواد، حسب ما يقول نائب عضو في <كتلة المستقبل> وهو أيضاً عضو في لجنة المال، أصبحت ضحية تجاوز المهل، بغض النظر عن المواقف السياسية أو الصورة السياسية للحكومة، وهذا بدوره يأتي إنطباعاً على إرسال الموازنات ومناقشتها، والتي تدخل في دوامة الخلافات السياسية، وهذا الأمر ليس جديداً، بل هو منذ تاريخ <الترويكا>،
وعليه فأن الإتهامات التي كانت تكال لفريق الرئيس الشهيد رفيق الحريري، من خلال التجارب السابقة، ونظراً لما جرى ويجري خلال السنوات السابقة، يجب أن يعاد تقييمها من وجهة النظر المحيطة بكل المتغيرات والمنضويين، لمن يرغب، أما لمن لا يرغب، فيقول النائب أن المسيرة مستمرة، بكل الطرق والوسائل السلمية والدستورية المتاحة، ولن نقبل أن يتغاضى الفريق الآخر عن ما كان يصوب علينا به من باب الزكزكات السياسية، وسنسأل ونراقب ونمارس دورنا البرلماني على أكمل وجه·
ولعل التذكير بمجريات المرحلة الأخيرة، خصوصاً ما يتعلق بمسألة بمفهوم القاعدة الإثني عشرية، والتي كال لها الكثيرون وصالوا وجالوا ولا مناص من تقاذف الكرات طالما أن كل ما يحصل وسيحصل يصح معه المثل القائل < التاريخ يكرر نفسه>، وسنرى ما سيحصل في القريب العاجل·