ينقسم الزمن منطقيا الى ثلاث مراحل متتابعة هي الماضي والحاضر والمستقبل. ولو سلَمنا موضوعيا بأنَ سلكا يربط بين هذه المراحل، ما يعني أنَ الحاضر هو ابن الماضي وأب المستقبل، الاَ أنَ قاعدة التطوَر التي تجعل من الانسان حالة نهرية تتجدَد باستمرار، وتأمر بأن يحفظ الماضي في الذاكرة لتؤخذ منه العبر، وتنهى استعادته بتواتر سريع ليلغي الحاضر والمستقبل، ويصبح هو وحده زمن الأنسان. عندها يمسي هذا الأنسان مومياء متجوَلة، يعيش في جسده حاضره، أمَا ذهنه فقابع سعيدا في كهوف الصدأ .
الملفت عند بعضهم، وخصوصا على شاشات ما يملك هذا البعض من وسائل مرئية، أختصاص العودة الى الماضي. فلو كانت هذه الطلَة من النافذة المشرقة التي تذكَر بعصر السلم والبحبوحة وبيروت الأنفتاح والعيش الراغد، لكانت مفيدة على صعيدين: فهي من ناحية تفتح طاقة مضيئة في السرداب المخيف لذاكرتنا القريبة، فيعود الأمس الذهبي في مشاهد خلاَبة حين كان الشاطئ المترنَح يساهر بيروت حتى الفجر، والأرز يدرَب السماء على التزلَج .ومن ناحية ثانية، تفتح أبصار الأجيال الجديدة على صورة مرتجاة للوطن مختلفة عمَا ينتجه ذهن بعض الساسة، في محاولة لرسم وطن عجوز مغلوب على أمره، لن يعود الى شبابه ألاَ بأمرهم، وكأنَهم يرهنون الأجيال لمشيئتهم الى الأبد.
لكنَ استعادة الماضي من على الشاشات، محصورة بالأحداث الممجوجة البغيضة في زمن الحرب الداخلية السيئة الذكر، وذلك بهدف التسعير وأثارة الحساسيات وترويج الحقد بين شرائح النسيج الوطني، ولا سيَما الذين ينتمون الى أثنية واحدة. الكل يعلم أنَ الحرب تفرض قواعدها على الأفرقاء المتقاتلين، فترتكب الموبقات ويحلَل الحرام وترخص أرواح الناس وكراماتهم. والكل يعلم أنَ التبريرات في هذا المجال لا تنطلي على أحد. والكل يعلم أنَ وثيقة الطائف قد وضعت حدا يفصل بين ما قبلها وما بعدها، وبالتالي تمَ الحديث عن مصالحة الوطن مع نفسه. وهذا يعني فتح صفحة جديدة بيضاء، مكتوب على وجهها الخلفي: مقفل الى الأبد. ومع ذلك يحرص بعض الشاشات الملوَثة على استذكار أحداث، ينبغي أن يكون الزمن قد طواها. فلا يمرَ يوم الاَ وتحفل هذه الشاشات ببرامج واستضافات تنكأ جراح الماضي، وكأنَ الناس لا يكفيها ما تعاني حاضرا من أزمات اجتماعية وأقتصادية وسياسية، حتى تعظم بلواها باستفاقات تسنَن نصال البغضاء وتشعل مواسم الفرقة.
إنَنا لا ندعو الى فرض رقابة هرمسية على ما تبثَه الشاشات، لأنَنا نؤمن بما لا يقبل المناقشة بالحريات، وفي مقدَمها الحرية الأعلامية، لكنَنا، ورحمة بالأجيال الصاعدة من جهة وبمن تبقَى على قيد الحياة من أجيال الحرب، نطلب من المسؤولين عن الأعلام المرئي اعتماد ميزان المفيد في برامج شاشاتهم، أنطلاقا من مفهوم الحرية المسؤولة ومن أنَ الحقيقة نسبية.
أمَا القاعدة الثانية التي ينبغي الألتزام بها فهي قاعدة الحياء. وهذا لا يعني أفراغ برامج الشاشات من مضامين سياسية معقولة في أطار الديمقراطية التي تكرَس الرأي والرأي الآخر، كما لا يعني أن يكون مقصَ الرقيب جاهزا لفرض الصمت على الصناعة التلفزيونية. انَ الحياء المقصود هو تلك الحالة الأخلاقية التي يميَز فيها الوعي بين الجيَد والضَار، من هنا فقيمة الأنسان تقاس بالكمَ الذي يختزنه من مادة الحياء. وأذا كان بعضهم يأخذ على البطريرك التاريخي نصرالله صفير، ظلما، أنَه لم ينجح في مهمة الوفاق بين الأخوة، هل يجد هذا البعض أنَ ما تبثَه شاشاته من سموم يمكن أن يفي بغرض الجمع وأعادة اللحمة ؟ أذا كان الأمر كذلك، فهذه حقا قلَة حياء.