"هل نفد صبر الفريق الذي دعم ترشيح الرئيس المكلَّف، وبات يطالبه بالإندماج في منظومة الفريق المذكور؟!"
كتب د. عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": بعد زيارة الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي أول من أمس، القصر الجمهوري، وعرّج بعدها على مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، تسابقت أوساطه على تسريب معلومات عن مسودة تشكيلة حكومية من 26 وزيراً، عرضها على رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، لحظ فيها ثمانية وزراء لرئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون.
الأوساط نفسها لم تتوسّع في التفاصيل، وما إذا كانت هذه التشكيلة حظيت بموافقة الرئيسين سليمان وبري، أو أنها مرّت على العماد عون وحزب الله قبل أن تستقر في بعبدا وعين التينة ولاقت منهما قبولاً، كذلك لم تشر هذه الأوساط إلى أن قرب موعد الإفراج عن هذه التشكيلة لتبصر الحكومة العتيدة النور قبل انتهاء الشهرين على مرسوم التكليف، الأمر الذي حمل معه تساؤلات عما إذا كان الرئيس المكلّف أراد من وراء هذه التسريبات إشاعة أجواء تفاؤل بأن الحكومة الموعودة تخطت العقد التي كانت تؤخر ولادتها، وسلكت طريقها لكي تبصر النور، وتطوى حقبة من التجاذب بينه وبين قوى 8 آذار التي رشحته لرئاسة الحكومة، بعدما نجحت في عملية انقلابية موصوفة حوّلتها من أقلية الى أكثرية برلمانية.
لكن رئيس تكتل التغيير والاصلاح سارع إلى تبديد التفاؤل الذي أشاعته أوساط الرئيس ميقاتي بشن أعنف هجوم على الرئيس ميشال سليمان واتهامه مباشرة بأنه يعرقل تشكيل الحكومة، كما عطّل حكومة تصريف الأعمال بطلبه إلى وزرائه الامتناع عن التصويت على إحالة ملف شهود الزور إلى المجلس العدلي نزولاً عند طلب وزراء الثامن من آذار، من دون أن يوفّر الرئيس نجيب ميقاتي من سهامه من دون أن يسميه، مراعاة لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الذي كان أعلن قبل يومين من استئناف عون هجومه على رئيس الجمهورية تمسكه بالرئيس ميقاتي، وبأن لا نيّة عنده لاستبداله بمرشح آخر لتشكيل الحكومة.
وقد سبق هذين التطورين، إشاعة التفاؤل من جانب الرئيس المكلّف، وهجوم عون على رئيس الجمهورية أمران ملفتان: الأول زيارة رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط إلى الرابية بعد زيارتيه إلى دمشق، وعين التينة، في مسعى هو الأول من جانبه لإقناع رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد عون بتسهيل مهمة الرئيس المكلّف للانتهاء من الملف الحكومي، لأن بقاءه عالقاً له انعكاسات سلبية على فريق الثامن من آذار وحلفائه الجدد وهو أحدهم، لا سيما وأن المنطقة في حالة غليان شديد ومفتوحة على جملة من التطورات التي تؤثر على الداخل، وسمع جنبلاط من العماد عون الكلام نفسه الذي يردده رئيس تكتل التغيير والاصلاح على المنابر الإعلامية، وفي كل المناسبات، ومفاده أن لا حكومة ما لم يحصل فيها على حصة وازنة لا تقل عن الثلث الضامن زائد حقيبة الداخلية.
أما الثاني فكان القرار الذي أعلنه الأمين العام لحزب الله عشية زيارة جنبلاط الى الرابية وخلاصته أولاً أن على الرئيس ميقاتي أن يُنهي حال المراوحة في التشكيل الحكومي وحال التمايز عن قوى الثامن من آذار والثاني أن يقلع عن فكرة حكومة التكنوقراط ويشكل حكومة من الفريق الذي سماه لرئاسة الحكومة، مع ملاحظة أن هذا الفريق لا زال يتمسك به.
فما معنى كل هذه التطورات، وما كان الهدف منها؟ هل تعني أن الرئيس ميقاتي بتسريبه أنباء عن مسودة حكومية باتت جاهزة وتنتظر بعض الرتوش والملاحظات، ليضع حلفاءه أمام الأمر الواقع أو ليحملهم مسؤولية استمرار الأزمة الوزارية عالقة ويمهّد بذلك للاعتذار، وهل تعني أن الفريق الذي دعمه لرئاسة الحكومة نفد صبره ويصرّ على أن يتخلى ميقاتي عن تمايزه ويندرج في منظومة هذا الفريق؟.
مصدر في قوى المعارضة الجديدة، يرد على هذه الأسئلة، بأن الأمور بين الرئيس المكلّف وقوى الثامن من آذار وصلت إلى المفترق الصعب أي إلى تخييره بين أن يشكل حكومة من لون واحد، بما في ذلك إعطاءه العماد عون الحصة التي يطالب بها، أو يعتذر عن الاستمرار في التأليف ليصار إلى إجراء استشارات جديدة، وتسمية من يخلفه في هذه المهمة ويكون منسجماً مع توجهات الفريق الذي يسميه ويأتي بحكومة من لون واحد تحمل توجهات واحدة في مقدمها إلغاء المحكمة الدولية وحماية المقاومة، الملفان اللذان لا يزال الرئيس ميقاتي يتردد أيضاً في الالتزام بهما.
ويرى المصدر في قوى المعارضة الجديدة بأن العامل السوري له تأثير مباشر أيضاً على سير التطورات المتعلقة بالأزمة الحكومية ويعتقد بأن جنبلاط حمل إلى عون، الهموم السورية التي تتجاوز الملف الحكومي في لبنان، وحرصها على الانتهاء من هذا الملف من دون أن تتدخل هي فيه بصورة مباشرة، للاعتبارات المتعلقة بالتطورات التي تشهدها المنطقة وعلاقاتها بالمجتمع الدولي وبعض العواصم العربية، ناهيك عن أن دمشق لا تريد أن تتدخل بين الفريق الواحد المحسوب عليها، وتنصر فريقاً منه على آخر وترغب في أن يتعامل هذا الفريق بمنطق مغاير لما هو قائم حالياً والذي أدى إلى هذا التأخير في تشكيل الحكومة العتيدة، وهو الى أي حال تعتبره دمشق غير مبرر.
إلا أن مصادر الأكثرية الجديدة تعتبر أن ما يجري داخلها في ما يتعلق بموضوع التشكيل الحكومي ما زال أمراً طبيعياً ولم يصل بعد إلى الحد الذي ينعكس سلباً عليها، وعندما تبلغ الأمور هذه المرحلة يمكن حسم الوضع، والانتهاء من الملف الحكومي، علماً بأن الرئيس ميقاتي ليس بعيداً عن هذا التوجه وإن كان لا يزال يتريث في الإقدام على خطوة التأليف على أمل منه بالوصول إلى الصيغة الأفضل لحكومته وإن أخذ ذلك بعض الوقت الإضافي، وهو على أي حال محسوب بدقة بين القوى الأساسية التي تشارك في عملية التأليف، وفق ما عبّر عنه السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير عندما ألمح إلى الضغوط الخارجية التي يتعرّض لها الرئيس ميقاتي، فهل معنى ذلك أن لا حكومة في المدى المنظور؟
هذه الأوساط نفسها تُجيب بأن الرئيس المكلف ما زال يعمل من ضمن أجندة إتفق عليها مع حلفائه، وما زال أمامه متسع من الوقت يتمكن خلاله من تدوير الزوايا والوصول إلى حكومة يرضى عنها، ولا تُغضب الحلفاء.