جاء الحكم في سوريا و"حزب الله" بنجيب ميقاتي ليكلف تشكيل حكومة على انقاض حكومة سعد الحريري بعدما تعذر تدجين ابن رفيق الحريري خلال اكثر من سنة كاملة. وقد أتوا بميقاتي ظناً منهم انه يمكنه الحلول مكان الحريري بسهولة نسبية، باعتبار انه شخصية مقبولة في الداخل والخارج تقدم نفسها وسطية في مرحلة استقطابات حادة في البلاد. وكان في ظن مرجعيتي نجيب ميقاتي انه يمكن قلب التوازنات في البلد بمجرد اخافة الشعب بالسلاح. ويمكن ضرب معنويات اللبنانيين الاستقلاليين بمجرد اذعان بعضهم وانتقالهم من ضفة الى ضفة. وبعد مرور ما يقارب الشهرين، يكتشف الحكم في سوريا و"حزب الله" ونجيب ميقاتي وحتى وليد جنبلاط ان كسر التوازنات في لبنان ليس بالامر السهل، ولا يحصل هكذا دون اقامة اعتبار لموقع لبنان الحقيقي في المنطقة. فلا تحول ميقاتي مرشحا لـ"حزب الله" والحكم في سوريا، ولا استسلام وليد جنبلاط امام منطق السلاح والترهيب كافيان لقلب صورة البلد في مرحلة من اشد المراحل الاقليمية حراجة وخطورة، وفي مرحلة لم تعد فيها الثورات العربية تقف عند الحدود السياسية او الجغرافية المعروفة، وقد بلغ حد التوتر والمواجهة بين حالة عربية وتمدد ايراني في المشرق العربي حدودا خطيرة تبدو فيها ازمة البحرين صورتها البليغة.
ما هي هذه الحكومة التي يمكن نجيب ميقاتي ان يرئسها في زمن الصدام العربي – الايراني المباشر والمكشوف؟ وما هي هذه الحكومة التي يتحكم فيها سلاح "حزب الله" وتستطيع ان تخطو خطوة واحدة عربيا ودوليا؟ وما هي هذه الحكومة التي يشكل الحكم السوري مرجعيتها الاقليمية ودم السوريين يهرق في مساجد درعا وساحاتها؟
ثمة قوى تستعجل نجيب ميقاتي ليشكل حكومة ويقلع بها كيفما اتفق الامر. ومن بين هذه القوى من يسعى بكل ما أوتي من قدرة لتفكيك عقد المحاصصة، ولدفع الحلفاء نحو الاتفاق، ولكنها في استعجالها هذا الامر تنسى ان الفخ وحده وقع فيه ميقاتي، ووحده سيدفع اغلى الاثمان السياسية لخيار اتخذ ربما بخفة.
وفيما يتصدّر "حزب الله" واجهة المعركة مع دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين بدخول أمينه العام السيد حسن نصرالله على خط الازمة علناً كما بدا في خطابه المتلفز الاخير، ومع رد البحرين بوقف تأشيرات الدخول للبنانيين، ومنع مواطنيها من زيارة لبنان ووقف رحلات طيران الخليج، يتساءل المراقبون عما يمكن ان يجنيه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي من تشكيل حكومة سيكون ولاؤها، كيفما كانت صورتها والاسماء المنضوية فيها، لـ"حزب الله" ذراع ايران المسلحة في المشرق العربي.
من مصلحة ميقاتي ان يفكر ملياً في الخيارات المطروحة امامه، وان ينظر جيدا الى المشهد العربي الاوسع، والا يعير انتباهاً لمن يستعجلونه التشكيل بأي ثمن. ففي مشهد 13 آذار الوطني، ومشهد طرابلس الشعبي الشمالي، ومشهد إمعان "حزب الله" في التورط في صدام مع دول الخليج العربي، وأخيرا مشهد بلوغ رياح الحرية ديار الشام، ما يكفي ميقاتي لكي يقتنع بأن الفخ كبير جدا والهوة سحيقة وانه ينبغي البحث عن وسيلة للخروج من هذه الورطة. ولعل نهاية البنك اللبناني – الكندي أهم دليل على ان الرقص مع "الشياطين" اكلافه باهظة جداً جداً.
فلميقاتي نقول بصدق: في النهاية ستبقى وحدك في الساحة، أما الآخرون فسينتقلون من موقع الى موقع ولن يلتفتوا الى الجثث السياسية المرمية على قارعة الطريق، تماماً مثل دراجات السياح الاوروبيين الذين خطفوا البارحة في أرض ما يسمى "المقاومة" !