شواهد عدة توالت في الآونة الأخيرة ودعّمت ما كان معروفاً منذ زمن لجهة حقيقة المواقف من "حزب الله" وأدائه محلياً وإقليمياً..
ولا يتعلق الكلام هنا بالمواقف الرسمية العربية المعلنة أصلاً والموزّعة محورياً بكل وضوح، إنما يتعلق بالأساس الذي بنى ويبني عليه الحزب صفحات مهمة من بيانه المقاوم والممانع، والقائل في الإجمال إن العرب والمسلمين في مكان، وقادتهم في مكان آخر! وإن الحزب هو الضوء الطارد للعتم والناس بانتظاره لقيادة مسيرة الخلاص والحرية والتحرير. هكذا، دفعة واحدة!
التظاهرة الأخيرة في مدينة درعا السورية خرجت على ما أسمعتنا وأرتنا "العربية" بشعار ضاج يرفض "حزب الله" وإيران.. وتلك عيّنة ليست هيّنة أو بسيطة في دنيا الحساب والاستقصاء والاستفتاء. وقبل ذلك كانت "جماهير" ساحة التحرير في مصر فاضت بمواقفها من محاولة إلباسها أثواباً آتية من خزائن حزب 7 أيار والجمهورية الإسلامية الإيرانية… والحالة ذاتها سُجّلت في تونس وإن كان الصوت أقل وضوحاً ويتعرّض لتشويش ممنهج من مراكز بث شعارات الممانعة والمناتعة عن بعد. ثم قبل كل ذلك، كانت الصحافة المصرية، بكل تلاوينها، قد عكست نبضاً عاماً معادياً وبحساسية مفرطة لما اعتبر في وقته، تطاولاً لبنانياً وغير لبناني على مصر وقيادتها وسيادتها خلال حملة "الرصاص المصبوب" الإسرائيلية ضد غزة.
ولا داعي للإكثار من شواهد أكثر فصاحة وبعضها نقله زوّار عاديون لعواصم ومدن عربية وإسلامية عدّة عن كيفية انقلاب النظرة الى حزب أضاع البوصلة وما عاد يميّز تماماً بين حدود إسرائيل وحدود الفتن والحروب الأهلية والمذهبية العربية والإسلامية!
مع "ويكيليكس" اكتملت الدائرة أو تكاد. والزميل العزيز حازم صاغية كتب قبل يومين مطالعة أخّاذة في شأن أساس المواقف من "حزب الله" وخطابه وشعاره ومقاومته، والتي كشفت الوثائق المسرّبة جزءاً منها فيما يَفترض كل ذي منطق سوي أن المخفي أعظم وأكبر.
وفي تلك الوثائق يتبيّن مدى غربة منطق الحزب حتى بين أهله وربعه وحلفائه الجدد والقدامى سواء بسواء! وفي حين أن "الأغيار" والأخصام، ما فعلوا برأيهم، إلا إكمال مواجهة، كان الحزب بدأها في 8 آذار 2005، وكلٌ على طريقته التي يُفترض بمبتدئ بريء في العلم اللبناني الحديث أن لا يتفاجأ بها! فإن مواقف الآخرين، الحلفاء وأهل الدار، تدلّ وبالعمق الى يقظة الشعور بمخاطر نهج يكاد أن يدمّر ما تبقى من مقوّمات ونسائج الكيان اللبناني البشرية والعمرانية.
على أي حال، فإن الوقائع والأحداث كما الوثائق المسرّبة تكشف حقائق لا تُجادَل، يُفترض بـ"حزب الله" أن يأخذها كما هي ويُصاب فعلياً بالهمّ والغمّ، خصوصاً وأن لعبة دمغ أي حالة اعتراضية بخدمة الصهاينة والعمالة لهم لم تعد تنفع كثيراً. إسألوا الأنظمة المتهاوية في ليبيا واليمن وغيرهما! مع العلم المسبق بأن الحزب، ليس نظاماً إنما ساع بكل همّة لا يُحسَد عليها، الى أن يكون حزباً حاكماً عابراً للحدود.. لكل حدود جغرافية أو طائفية أو مذهبية!