كم تبدو المبرراة التي تعطى من هنا وهناك لـ"شرعنة" سلاح المقاومة هزيلة وغير منطقية. فبداية نقول انه اذا كان لا بد من المقاومة كثابتة وطنية فإن أسوأ ترجمة لها هي الانفلات غير المقبول لسلاحها غير الشرعي في الداخل اللبناني.
فالسلاح غير الشرعي ليس بالضرورة سلاح مقاومة – والمقاومة الحقيقية هي التي يكون سلاحها معمد بارادة شعب وليس مؤسسا على مخططات واسترتيجيات امم ومحاور متناحرة.
سلاح المقاومة هو السلاح الذي يحتضنه الشعب كل الشعب… وسلاح المقاومة هو سلاح الاستثناء لا سلاح المبدأ، لان المبدأ يبقى الدولة وسلاح الدولة والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة ليس اقلها قيام الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بحل تنظيم الحرس الوطني لعدم السماح بوجود هيكليتين عسكريتين في الدولة. فالمبدأ هو سلاح الدولة بينما الاستثناء هو وجود سلاح مقاومة.
المشكلة مع "حزب الله" انه يريد ان يجعل من سلاح المقاومة مشروع دولة واسقاط مشروع سلاح الدولة الشرعي لحساب محور الممانعة الاقليمية (السوري-الايراني).
فـ"حزب الله" يريد بناء دولة على قياس مقاومته نموذجا وعقيدة وفكرا وبرنامجا – في لبنان – بلد الـ 18 طائفة ومذهب والتنوع الحضاري والتعددية الثقافية والثوابت الوطنية الحارسة للوحدة الوطنية والانصهار بين مختلف مكونات النسيج اللبناني – وهذا ما لا يمكن ان يحصل ان لم يكن نابعا من ارادة وطنية جامعة ومن عمق اقتناع كل اللبنانيين بجدوى مثل هذا النموذج.
عام 2006 اعطى اللبنانيون اجمل صورة لاعتناقهم الفكرة المقاومة عندما تضامنوا جميعهم من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب لمواجهة العدوان رغم ان نصف اللبنانيين واكثر يومها كانوا غير معنيين باندلاع تلك الحرب لتفرد "حزب الله" باعطاء اسرائيل المزيد من الذرائع – وقد كان لبنان كله مقاوما كل على طريقته ولم ينتظر احد من "حزب الله" ان يعلمه المقاومة ولا كيفية الصمود – ما يعني ان اللبنانيين ليسوا بحاجة الى مشروع او برنامج احادي وتفردي عندما يكون لبنان في خطر اذ انهم كلهم مقاومون عند الضرورة.
من هنا، فان "حزب الله" يريد من سلاحه غير الشرعي اجبار اللبنانيين على اعتماد نموذجه الذي يعني خنق الصوت الاخر في الوطن وخنق فكرة الدولة وضرورة تقويتها لتعود هي القادرة الوحيدة على النهوض بمبدئية السلاح الشرعي الوحيد المقاوم – تمهيدا لالحاق لبنان بالمحور الاقليمي الممانع في مواجهة العالم كله وليس فقط اسرائيل – فهذا النموذج لا نوافق عليه ولا نقبله ولا نريده – وكيف اذا تحول السلاح غير الشرعي الى صدور اللبنانيين؟
والمؤسف ان يستمر الحزب وحلفاؤه وفي طليعتهم العماد عون في التأمر على الدولة والشرعية المؤسساتية للسلاح من خلال الاستمرار في اعتبار الدولة غير قادرة والجيش عاجز عن الدفاع عن لبنان في وقت نسألهم، ماذا يفعلون لتقوية الدولة وتقوية الجيش؟ فكم ينتابنا شعور بالمرارة من رؤية قائد سابق للجيش الوطني يمعن في تهشيم صورة المؤسسة العسكرية الموكول اليها اعظم المهمات والمطلوب منها وثوق اللبنانيين بها لضمان امنهم وسلامتهم واستقرارهم…
لن تصبح الدولة اللبنانية قوية ان لم نساهم جميعنا بدأ من "حزب الله" في تقويته…
لن تصبح الدولة اللبنانية قوية ان استمر بعضهم في ضرب صورة ومصداقية الدولة اللبنانية…
لن تصبح الدولة اللبنانية قادرة على الدفاع عن جميع اللبنانيين والزود عن الوطن ان لم يسلح الجيش وتسلح قواه الذاتية… ويقتنع اللبنانيون بضرورة الانصراف الى فعل كل شيء والتضحية بكل شيء من اجل تقوية الجيش والدولة… كاولوية الاولويات…
فالسلاح المنفلت لا ولن يخدم قيام الدولة القوية لانه اصبح سلاح الفرقة والقسمة والانقسام… بينما سلاح الجيش اللبناني هو سلاح الوحدة الوطنية والمقاومة الشعبية المشروعة…
والسلاح المنفلت لا ولن يستطيع تمثيل اللبنانيين في مقاومته، بل سيبقى قاصرا ومقتصرا على حماية فريق ومذهب وطائفة على حساب وطن سائر الطوائف والمذاهب والافرقاء…
فمواجهة اسرائيل تكون بتحقيق الوحدة الوطنية الداخلية والالتفاف حول الدولة وقوتها الدفاعية وتعزيز قدراتها لحماية الشعب والمؤسسات في وجه العدوان وعندها تتولى هي تقرير اساليب المواجهة – لا ان تتم المواجهة باساليب تكون على حساب وحدة الشعب وسيادة الدولة وقوتها وقدرتها بحجة التذرع الدائم بعدم القدرة والعجز… هذا ان ارادوا فعلا مقاومة لاسرائيل وحماية مشروعة وشرعية وموحدة للبنان في وجه العدوان والاخطار.
فالسلاح غير الشرعي نقيض الوحدة الوطنية… وبالتالي نقيض مصلحة لبنان… ولا مرتجى منه طالما بقييت معادلته فئوية – قهرية – استبدادية – استقوائية…
لا تبنى دولة ولا يقوى بلد عندما يتحول سلاح مقاومته الى مشروع احتلال لابناء الشعب… ولا تبنى دولة ولا يقوى بلد يصبح فيه سلاح غير شرعي خاطف لارادة وطنية وشعب باسره… ولا تستمر مقاومة يصبح فيها سلاحها نقيض الدولة والكيان… فما من مقاومة الا وكانت في خدمة الكيان والدولة والا تحولت الى احتلال واعتداء عليهما…
