نتعهّد أمام الجناة لا أمام الله، أن نموت مرة ومرتين وثلاثا إن كان يرضى قاتلٌ أو يطمئن وجدان، وأن نذهب الى القبور فنمحو أسماء قتلانا ونرمي عظامهم في المجامر، وأن نذهب الى المَشافي فنستر جراحنا ونخنق صراخنا وننكر أنينا بنا يوّدع سريرا ويلتقي آخر.
نتعهد أمام الجناة، ان نذهب الى حيث تفَجّر أحبّةٌ لنا، فنلمّ الشظايا حبة حبة ونمسح الدماء قطرة قطرة، ونبحث عن الجاني القابع خلف الأكمة، نشكر له ما فعلت يداه، ونلقي لديه سلاما على من جنّده في عمل الخير وكرّسه رسولا الى السلام…
ونتعهّد أن نذهب الى جرحانا، فنردّ لهم يدا وساقا، ونردّ لهم نعمة السمع، ونخبرهم أن الجاني قضاء وقدر رَمَته الصدفة في الجوار وتلقفه سوء الحظ او سوء الاحتراس… ليس بيننا شهيد أو جريح، وليس بيننا مَن كوَته حروق أو نَخرته شظايا،
ولم تحمل سواعدنا نَعش أحد ولم نَمش في جنازة أحد، وجلّ ما شهدناه لم يكن أقلّ من عرس وأكبر من مهرجان، وجلّ ما قاسيناه لم يكن أقلّ من أشباح وأكبر من هَلوَسات. نعترف… ليس بيننا شهيد أو جريح، الشهادة عندنا تَجَنّ والجرح افتراء. نعترف اننا قوم نموت مرة ومرتين وثلاثا، فلا نموت، ونُجرح مرة ومرتين وثلاثا، فلا نترك أثرا. هذا ما يريده الجاني حين يفجّر أجسادنا، وهذا ما يريده السيّاف حين يقطّع أطرافنا، وهذا ما يريده الآمر الذي يُنصّب نفسه إلها يُطيل عمر هذا ويقصّر عمر ذاك، وهذا ما يريده الآمر الذي ينصّب نفسه ديّانا فيختار هذا شهيدا في ساحات الوغى ليقيم له تمثالا، ويُسمّي ذاك قتيلا في ساحات العمالة ليقيم له محكمة.
نعترف ان ليس بيننا شهيد أو جريح، الشهادة عندنا وَهم والجرح ادّعاء، والنعش الذي حملناه كان خشبا من وَرَق، والقبر الذي حفرناه كان قبرا من غبار، والوجع الذي عِشناه كان دَجَلا يُشبه دَجل اللصوص، واليد التي بُترَت كانت قطعة من دمية، والساق التي قطعت كانت قطعة من تمثال، والحروق التي كوَتنا كانت جمرة في موقد، والنار التي حرقت متاجرنا وأرزاقنا كانت نفحة حر في ليلة صيف.
ما لا نعرفه حتى الآن، كيف تكون وثائق الشيطان "الأكبر" اكثر صدقاً من جروحنا، وكيف تكون اميركا مرجعاً يوم يرضينا ما تقول وتكون لعنة يوم لا يرضينا ما تقول.. وما لا نعرفه حتى الآن، كيف يُطلب من القتيل ان يقايض على دمه، فلا ينال من قاتله لا في محكمة ولا في شكوى…
تُرى هل بتنا في زمن اصبح فيه جوليان اسانج رئيساً لمجلس القضاء الاعلى وحزب الله مدعياً عاماً يعقد المحاكم ويوزع الاتهامات ويصدر الاحكام؟ اليوم بتنا نعرف لماذا يريدون قتل الشهيد مرتين: مرة كي يموت ومرة كي يسكت.