ما الرابط بين خطف الأجانب السبعة قرب زحلة اللبنانية، وتفجير الباص في القدس الفلسطينية المحتلة، والتصعيد المفاجئ في غزة "الحماسية" وضواحيها؟ وكيف قفزت فجأة إحتمالات اتساع رقعة التوتر الأخير في القطاع نحو انفجار شامل وواسع؟
الأسئلة في ذاتها تستبطن أجوبة غير حاسمة. وفي تلك الأجوبة يطغى التحليل على المعلومات الموثوقة، كما يطغى الخفر على التحليل، ثم الجزع من الشطط والضرب في أمكنة حساسة!
غير ان شيئاً واحداً أكيداً لو سمحتم، يربط بين كل تلك المستجدات، هو خروجها في لحظة زمنية واحدة، وفي جغرافية سياسية متقاربة. وبعد ذلك انها سُجّلت عندما بدأت حركة الشارع تمتد الى نواح جديدة، ما كان الظنّ عند كثيرين انها يمكن ان تتمدد اليها وبهذا العنف.
في التحليل الخفر (!) تطل قراءة سريعة مفادها وجود "مصلحة" فعلية وأكيدة لدى البعض في إعتماد لعبة البدائل من جديد، أو تغيير مركز الثقل الحركي والتركيز السياسي والإعلامي من مكان الى آخر!
كثيرون مثلاً، كانوا وضعوا أيديهم على قلوبهم خلال تظاهرات أهل الثورة الخضراء في إيران منتصف العام 2009 احتجاجاً على ما قيل انه تزوير واسع النطاق وضخم طال أصوات المقترعين في الانتخابات الرئاسية.. والسبب في ذلك الوجل كان بروز احتمال حقيقي بأن تعمد طهران الى تفجير احدى ساحتي المواجهة مع إسرائيل، جنوب لبنان أو غزة، للتغطية على ما يجري عندها أولاً، ولاستخدام "مركزية" النزاع بين الآلة الحربية الإسرائيلية من جهة و"حزب الله" أو "حماس" من جهة ثانية من أجل طمس أي قضية "فرعية" أخرى، مهما كانت مهمة.
والميزان هنا لا يحتمل أي خلل، وحساباته أدق من جراحة في الدماغ: تبقى قضية إسرائيل من أولها الى آخرها أساس المشاعر والهموم والسياسات والنضالات والأحلام العربية والإسلامية من دون منازع… وثبُتَ بالوجه الشرعي، ان الاستثمار في ذلك النزاع أربح بما لا يقاس من الاستثمار في أي مجال سياسي آخر! أنظمة متكاملة وصلت ونمت ورسّخت وجودها على ذلك الاستثمار. ولم تدفع شيئاً. ربحٌ صافٍ لا تشوبه شائبة المرابين والوسطاء. كما لا تشوبه أي احتمالات كارثية، طالما ان يد السلطة كامشة بلجام خيل الشارع تتحكم به وبجموحه. وطالما ان حسابات مصالح النظام في الأداء "النضالي" تبزّ في دقّتها، دقّة العاملين في الفيزياء النووية!
وكي لا يخطئ أحد في الحساب، فإن جوهر "النضال" من أجل الاستمرار في الإمساك بالساحة اللبنانية وإبقائها ساحة، يتلخص في أهميتها الحاسمة في الأوقات الحرجة (بل في كل الأوقات): يمكن بسهولة العودة فيها الى لعبة خطف الأجانب مثلاً. أو تصعيد هواية اطلاق الصواريخ من الحدود الجنوبية، أو حتى إشعال الأرض بما عليها. انها الساحة البديلة من كل ضائع أو مفقود أو خطر في ساحات أخرى. والساحة البديلة المتوافرة دائماً للتذكير بـ"مركزية" الصراع مع الصهاينة والمحتلين، والذي "تهون" أمامه كل قضية تغييرية أو مطلبية أو إصلاحية أخرى!
يصحّ بعض التحليل الآنف على غزة أيضاً، بل فيها راهناً، وأكثر من ساحة لبنان، يكبر إحتمال ترجمة تقاطع المصالح المتنافرة الى مواجهة كبيرة، لكن مضبوطة في مدتها وأهدافها! والله أعلم.