كتبت "الجمهورية":
الثانية فجرا، شاب ثلاثيني تجمّع حوله عدد من الشبان يريهم مشاهد من فيديو صوّرها بنفسه على هاتفه الخلوي، متباهيا أنه ورفاقه، ونصفهم من المتحلقين حوله، ممَّن نفذوا اقتحام بيروت في السابع من أيار وسيطروا على الشارع وأطلقوا النار على منزل فلان وركّعوا آخر وسلبوا فلانا.
هذا المشهد يختصر كيف أنشأت إحدى الجهات الحزبية شبكة أمنية مهمتها "الرصد والمراقبة والإفادة والتحرك الميداني للسيطرة في نقاط التمركز والانتشار بقوة السلاح عند الحاجة".
والمفاجأة أن "أبطال" هذه المهمة يعملون ليلا (ونهارا) بصفة "فاليه باركينغ"، ما يبعد الشبهات عنهم، لا بل العكس، يستثيرون عطف "الزبائن" الذين يسلّمونهم سياراتهم بما فيها من "أسرار وأوراق".
وقد كشف تحقيق خاص ل "الجمهورية" أنه "وبهدف السيطرة على منطقة بيروت، وضعت إحدى الجهات الحزبية (…) خطة أمنية سرية مفصلة وبدأت تنفيذها منذ فترة، وهي تقوم على البنود التالية:
1- "الانتشار الهادئ" في كل زاوية وشارع ومحلة ومنطقة في بيروت، من المنارة إلى الأشرفية، مرورا بالحمرا والوسط التجاري ومونو وغيرها.
2- رصد حركة المسؤولين السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال والديبلوماسيين ومراقبتهم، وجمع كل المعلومات وبأدق التفاصيل عنهم، وذلك في أثناء ارتيادهم المطاعم والفنادق وأماكن السهر.
3- تأمين جهوزية التحرك من الرصد والمراقبة إلى "الانتشار الهجومي"، من خلال سحب السلاح وقطع الطرق وإطلاق النار والمداهمة والتوقيف عند الضرورة".
ويشير التحقيق إلى إنشاء "وحدة أمنية"، مكوّنة من مئات الشبان، يتم تشغيلهم بصفة "فاليه باركينغ"، لأنّ هذه الوظيفة لا تثير الانتباه من جهة، وتوفّر تغطية على مدى الليل والنهار، كما أن "الهدف" (الشخصية المراقَبة) يأتي إليك من تلقاء نفسه.
ويكشف التحقيق أن هؤلاء الشبان (فاليه باركينغ) مقسّمون مجموعات يراوح عدد كل من عناصرها بين خمسة وستة، (يرفع العدد إلى 10 عناصر أيام السبت والعطل) يتولى أحدهم رئاسة خليتها، ويرتبط بمسؤول آخر أعلى رتبة منه يكون بدوره مسؤولا عن منطقة فيها عدة مجموعات، ويرتبط بدوره بمسؤول أكبر لا يعرفه أحد، ويوجد في منطقة خارج بيروت.
ويضيف التحقيق أن هؤلاء الشبان مدرّبون على تقنيات الرصد والمراقبة من دون إثارة الشبهات، وعلى استخدام السلاح وحرب الشوارع، وقد شاركوا بالفعل في السابع من أيار في الهجوم العسكري والميليشيوي على بيروت انطلاقا من مراكز انتشارهم في الوظيفة.
ويكشف التحقيق أسماء عدد من المسؤولين عن هذه المجموعات، ونقاط مهماتهم، وأسلوب عملهم، وتصرفات العاملين على الأرض، ومنها:
– رئيس المجموعات في منطقة الوسط التجاري ومونو، ويلقّب بـ"بوي" (Boy)، وهو يقيم في مركز في محلة الخندق الغميق، وبحقه عدة مذكرات توقيف، إلا أن أحدا لا يراه ولا يعرف شكله.
– مسؤول مجموعات "الفاليه باركينغ" الميداني، وهو تابع لـ"بوي"، ويوجد على الأرض متنقلا بين أفراد المجموعات الموزعين أمام المطاعم والملاهي، ويلقب بـ"عنكان".
– المكلفون بإثارة المشكلات من اعتداء وفرض خوّات وإطلاق نار وشطب بالموسى "البطل"، و"أ. م. وع. ر." الذي يفاخر بعرض صوره مسلحا في إحدى الآليات العسكرية الحزبية في 7 أيار تحت إمرة الـ"بوي".
يتولّى أفراد مجموعة "الفاليه باركينغ".
– أخذ السيارة من الزبون لركنها، وما إن ينفرد بها في الموقف حتى يفتش ما في داخلها من هوية ودفتر سيارة او اي معلومة يمكن الإفادة عنها. مَن هو صاحبها وماذا يعمل؟
– رصد حركة الوافدين والخارجين: مَن هم؟ مَن أتى مع مَن؟ ويفيدون المسؤولين عنهم بالتفاصيل.
أما إذا أتت شخصية معروفة فإنّ الإبلاغ عنها يتم فورا بحسب التعليمات الحزبية كي يصار إلى استثمار المعلومة سريعا، إذا تطلب الأمر ذلك.
إلى ذلك، يتواصل شبان "الفاليه" المعنيون بالتحقيق، مع سائقي الشخصيات ومرافقيهم، فيمزحون معهم ويتقربون منهم بهدف الحصول على أكبر قدر من المعلومات عن رؤسائهم، وخصوصا عندما تتكرر زيارات هذه الشخصيات لهذه المؤسسات السياحية.
ويلفت التحقيق إلى أن عددا من الشخصيات امتنع عن ارتياد المطاعم في منطقة بيروت للأسباب المذكورة.
– يصوّرون بالهاتف الخلوي الزبائن وحتى النساء منهم، والسيارات وأرقامها والأوراق الثبوتية والمهمة الموجودة في داخلها.
– يفيدون عن هويات أصحاب المحالّ والموظفين وانتماءاتهم السياسية والطائفية.
كيف يعملون؟
– يقدّمون عرضا لصاحب المؤسسة السياحية لاستلام موقف السيارات لتسهيل حركة الزبائن بسبب قلة المواقف وكثرة السيارات. فإذا رفض صاحب المؤسسة طلبهم، يرسلون فريقا مؤلفا من نحو خمسين شابا على دراجات نارية فيطوّقون المحلّة وتدخل مجموعة منهم المحل وتبدأ بتحطيم محتوياته وضرب صاحبه وتهديده بالقتل إذا تقدم بشكوى إلى القوى الأمنية.
وهذا ما حصل عدّة مرات. ثم يطردون بالقوة شباب "الفاليه باركينغ" الأصيلين الذين لا ينتمون إليهم، والذين لا همّ لهم سوى العمل لتأمين لقمة العيش، فيقطعون أرزاقهم. وبالفعل، فقد تم على مراحل تكسير عدد من سيارات الزبائن في المواقف، ما اضطر أصحاب المحالّ إلى تسليمهم إياها مرغمين.
إضافة إلى ذلك، يفرضون الخوّات على أصحاب المحال، وهي تراوح بين خمسمئة وألف دولار شهريا بحسب حجم المحل، ومَن لا يدفع يتم الاعتداء عليه، فلا يجد أمامه إلا خيارا من اثنين: إما الإقفال وإما الدفع.
ومن الحوادث التي أتى التحقيق على ذكرها، "أن "عنكان" يدخل مع أصدقائه المطاعم والحانات ويطلب ما يشاء ويغادر من دون أن يدفع الحساب أو أن يجرؤ احد على مطالبته بشيء.
وذكر التحقيق أن من المؤسسات التي اضطر أصحابها إلى بيعها او إقفالها، مؤسسة تدعى "د. ك. "، إذ إن صاحبها شُطب بالموسى في ظهره وتم تهديده بالقتل من قبل أ. م. بسبب محاولته منعه من الدخول للسهر.
كذلك حصل مع مؤسسة أخرى (مقهى ذ.) إذ أنهم دخلوا ليحتسوا البيرة مجانا، فلم يلبِّ صاحبه طلبهم، وبعد وقت قصير أتت مجموعة من نحو 50 شابا على دراجات نارية صغيرة، وانهالت عليه بالضرب وأدمته، كما حطّمت محتويات المؤسسة. وعلى رغم ذلك اضطر إلى إسقاط الشكوى، وأصبحوا من الرواد الدائمين، ولكن مجانا.
وقد حاولت هذه المجموعات التمدد أكثر شرقا، إلا أن جهات حزبية محلية تنبهت للأمر ونظّمت صفوف مجموعات مقابلة تصدّت لهم، ومنعتهم من الاستيلاء على أرزاقهم.
ويبقى السؤال: ما الذي تركوه بعيدا من لعبة الأمن والرصد والمراقبة؟ ومَن الذي يعوّض على الشبان الذين لا يجدون فرص العمل للعيش بكرامة في هذا الوطن، ويضطرون إلى العمل "فاليه باركينغ"، وعلى رغم ذلك يأتي مَن يقطع أعناقهم بقطع أرزاقهم؟