الظاهرة الصحيّة في الدول الديمقراطية تبدو في غلبة حرية التعبير على اسلوب الشاعرين بالقوة، أو تفوّق الكلمة على ذهنيّة الأوصياء. ذلك لأنّ النظام الديمقراطي يتمدمك على الحريّات وفي طليعتها حريّة الرأي. فالأنسان الذي يفقد حريّة المجاهرة بما يريد، هو الأنسان المكبّل بالخوف، أو كائن بيولوجي يؤدّي تماما ما يستطيعه غيره من الكائنات الحيّة من دون زيادة أو نقصان. فما الفائدة أذا من تمتّع الأنسان بالعقل والرويّة والقدرة على أتخاذ القرارات والمواقف؟
في الدول ذات النظام الديمقراطي، لكل واحد الحق في أبداء رأيه. ويمكن للآراء أن تختلف وتتباين، أي أن يكون رأي بعضهم مغايرا لرأي بعضهم الآخر. وهذا يعني أنّ كل واحد من الناس يمكنه أسماع صوته مهما علت طبقة هذا الصوت. ومن السذاجة القبول بمهندس للصوت يعمل على تعديل الطبقات لتصبح في النهاية طبقة واحدة مملّة تتكرّر. انّ ما نسمعه هذه الأيّام من على الشاشات خصوصا، يذكّرنا بالعصر الستاليني الآحادي النبرة. فعندما يستخدم بعض المستقوين عبارات نافرة مثل "ونقطة عالسطر "، فهذه أشارة الى أنّ على الغير، كل الغير، ألتزام السكوت وقول " أمرك سيدنا ". وذاك مؤشّر كبير الخطورة على معادلة الرأي والرأي والآخر، وتهديد صارخ لقاعدة الحرية المصانة بالدستور. وتكمن الخشية على هذا المستوى في أن يتبنّى المستقوي أسلوب رجال الصدر الأعظم خلال العصر العثماني البائد، أذ كانوا يزورون ليلا معارضي سياسة الحكم القمعية ويقولون للواحد منهم: "أجب، شفيق يدعوك"، وشفيق كان القابض على زمام الأمن آنذاك. وقد أختفت آثار المعارضين لسنين،حتى كشف قعر البوسفور حقيقة وحشية الظلم، جثثا مرميّة في اللّجّة وقد صبّت أرجلها في مكعّبات من الباطون لتثقيلها.
بعد العام 2005، أعتاد اللبنانيّون خطابا ذا مساحة واسعة من الحرية، كان نتيجة حتميّة لأنحسار موجة القمع والأحكام الجائرة بكمّ الأفواه والعقول. ويخشى اليوم، أن نشهد نهاية لهذه الحال الفريدة، بعودة وصاية من لون آخر تفرض نهجا ألزاميا كالزيّ الموحّد، يتجمّد معه الفكر، وتختزل العناوين بعنوان واحد، وينوب رأي عن جميع الآراء. فتزول حصانة الحرية، وتتمدّد مواسم السجّانين ليعمّ اليباس الألسنة، وتختفي مظاهر التعافي التي أدخلت الى رئتي الوطن بلسم الشفاء من "الردع". وكأنّ الحكّام يريدون قتل مباراة، جرت المواجهة فيها بين الحرية والترهيب، وكادت الحرية أن تحرز انتصارا مدوّيا لولا الصفرة الأنقلابية التي طردت الحرية من الملعب.
ويبقى السؤال: هل ما زالت الحرّيات تعني شيئا عندنا؟ أم يجري العمل على نشر وباء خبيث يصيب الفكر، وهو العقم؟ أمام محاولة ردّنا الى قرون الظلام، وأجبارنا على الأنفصال عن ترانيم الحرية، نجد بعضنا يبكي. وأذا كان البكاء ضروريا غير أنّه ليس حلاّ. فالحل هو في قول : لا. هذه الـ"لا" المجيدة هي كشجرة الزيتون، لا تنمو بسرعة لكنّها تعيش طويلا.