#adsense

“سلامة” القطاع المصرفي مؤكدة… ولكن

حجم الخط

من مفارقات الوضع اللبناني الراهن، المعلق في الهواء والرازح تحت وطأة انقسام وطني حاد وتوتر سياسي مخيف وفراغ حكومي خطير، هو بقاء القطاع المصرفي اللبناني محافظاً على قوته ومناعته وسمعته، هذا القطاع "الضمانة" الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني وسر صموده وعافيته رغم سنوات الحرب والويلات الطويلة التي مرت على هذا الوطن المسكين.

ان القطاع المصرفي يشهد هذه الايام ما لم يعرفه في عز أيام الحرب والأزمات موجة من التشكيك والقلق والشائعات والأقاويل التي لا تستند إلى اساس وتجافي الواقع والحقيقة ولا تخلو من اهداف وغايات سيئة ومغرضة. ولكن هذه الموجة ستكون إلى انحسار سريع لأن القطاع المصرفي قائم على أسس صلبة ومتينة ولأن المشرف على رعاية وادارة هذا القطاع وتأمين مناعته وسلامته هو الرجل الحائز على ثقة الناس المطلقة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي نجح في اجتياز أدق وأخطر القطوعات والأزمات والاختبارات وكان آخرها قطوع البنك اللبناني-الكندي الذي لم يتحول إلى أزمة وذلك بفضل جهوده ومبادرته إلى احتواء الموضوع بحكمة عالية، ومنع حصول اي انعكاسات وتداعيات سلبية على صعيد القطاع المصرفي وأدائه بشكل عام، وعلى صعيد المودعين كباراً وصغاراً والموظفين والعاملين في البنك اللبناني – الكندي بشكل خاص.

انطلقت "الشرارة" من اتهامات وشبهات وادعاءات اميركية طاولت البنك اللبناني – الكندي، وكانت موضع تساؤل مقلق نظراً لتوقيتها السياسي الذي صادف مرحلة انتقالية بين حكومتين وأكثريتين في لبنان، ونظراً لطبيعة الاتهام والجهة المستهدفة، طرحت علامات استفهام كبيرة لدى الناس كون المصارف اللبنانية خاضعة لرقابة صارمة ومعايير مشددة تنظم عملها من قبل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والهيئة الخاصة لمكافحة الاموال.

ولأن الموضوع مرتبط بسمعة القطاع المصرفي وسلامته وصدقيته ، لم يتردد ولم يتأخر رياض سلامة في التحرك السريع في اتجاه الولايات المتحدة بناء لطلب من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وتمني مشترك من الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري والرئيس نجيب ميقاتي لاستيضاح الجانب الاميركي حول اسباب الاجراء الذي اتخذته وزارة الخزانة الاميركية بحق البنك اللبناني – الكندي، ولتوضيح ما أحاط هذا الموضوع من ملابسات مع التأكيد على التزام القطاع المصرفي اللبناني تطبيق القوانين اللبنانية والمعايير الدولية وكل التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان في ما يتعلق بمكافحة تبييض الأموال . وكرر سلامة في الولايات المتحدة ما قاله في لبنان عن البنك اللبناني – الكندي بأنه لا خوف على اموال المودعين وان المصرف يتمتع بسيولة مرتفعة وبكفالة مصرف لبنان، فكان لهذا التصريح وقعه الكبير على المودعين والزبائن وتوقف الناس عن التهافت على صناديق المصرف لسحب اموالهم بل اكثر من ذلك اعاد العديد من الزبائن اموالهم إلى اللبناني-الكندي بعد تصريح سلامة هذا مما يدل على ثقة اللبنانيين بهذا الرجل.

ولكن رغم زيارة رياض سلامة الناجحة إلى واشنطن والتي أثمرت معالجة سريعة وحاسمة للمشكلة الطارئة عن طريق شراء بنك اللبناني – الكندي من قبل بنك "السوسيتيه جنرال"، استمر القطاع المصرفي عرضة للشائعات والضغوط التي ارفقت بتأويلات وتفسيرات خاطئة وغير صحيحة لزيارة سلامة إلى واشنطن ومحادثاته مع المسؤولين الاميركيين وعن وجود استهداف اميركي للقطاع المصرفي اللبناني ووجود مصارف جديدة على اللائحة الاميركية السوداء وما إلى هنالك من اقاويل وإشاعات سيئة ومسيئة إلى كل الشعب اللبناني بكافة طوائفه واحزابه، لذلك كان من الضروري توضيح النقاط التالية.

1- كل ما قيل ويقال عن هذه الزيارة وما دار خلالها وعن ماذا قال رياض سلامة ووعد واعطى للاميركيين يظل مجرد استنتاجات غير صحيحة وكلام لا يستند إلى اساس وواقع، والكلام الذي قاله حاكم مصرف لبنان بكل وضوح وشفافية قاله بحضور اعضاء الوفد المرافق له السادة: رائد شرف الدين النائب الاول للحاكم، ومحمد بعاصيري النائب الثاني، وعبد الحفيظ منصور أمين سر هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان وسفير لبنان في واشنطن.

2- المحادثات مع الجانب الاميركي كانت محض تقنية ومحصورة بملف واحد هو ملف (البنك اللبناني – الكندي) لما يمثل من أولوية وخصوصية لدى الادارة الاميركية المهتمة بعمليات تبييض الاموال والتحويلات المشبوهة. وفي خلال هذه الزيارة لم يتطرق البحث إلى "حزب الله" أو نشاطاته المالية لا من قريب و لا من بعيد كما حاول بعض الاعلام والمنافقين تصويره.

3- لا استهداف اميركياً للقطاع المصرفي اللبناني. كون رياض سلامة طرح سؤالاً مباشراً في هذا الخصوص على كبار المسؤولين في وزارة الخزانة الاميركية وحصل على إجابة واضحة ومباشرة ايضاً مفادها ان موقف وزارة الخزانة الاميركية من البنك اللبناني – الكندي يعود إلى الاشتباه بتورطه في عمليات مالية والأمر برمته خاضع للتدقيق والتحقق، والمسألة ليست أكثر من ذلك ولا تنجم عنها تداعيات سلبية وخطيرة بحق مصارف اخرى.

وفي هذا السياق هناك امثلة كثيرة على ذلك وتحديداً ما سبق ان حدث مع أحد أكبر المصارف في الاردن "البنك العربي" وذلك منذ عشر سنوات تقريباً وكان الرئيس رفيق الحريري أحد اهم المساهمين في هذا المصرف وعلى رغم العلاقات الممتازة والقوية التي كانت تربط الحريري بالادارة الاميركية لم يستطع في علاقاته هذه من منع وزارة الخزانة الاميركية من اتخاذ اجراءات بحق البنك المذكور ولا تزال الامور والدعاوى القضائية عالقة امام المحاكم الاميركية حتى اليوم ولم يتأثر القطاع المصرفي الاردني بهذا الاجراء.

4- المصرف المركزي لم ولن يأخذ اجراءات جديدة ، لأن ما من اجراء وأمر يجب ان يتخذه مصرف لبنان الا واتخذه قبل حصول مشكلة اللبناني – الكندي بحيث وصلت الامور في بعض المصارف إلى التذمر من صرامة وشدة الاجراءات وكذلك الامر من جهة المودعين ، لكن المطلوب في المقابل رقابة ذاتية من المصارف لمصادر الاموال، واللجان المختصة في مصرف لبنان (الرقابة على المصارف – والهيئة الخاصة لمكافحة تبييض الاموال) تتابع عملها وتصدر تقاريرها وتوصياتها بشكل منتظم وتنفذها بشكل صارم وحازم.

إذن فالقطاع المصرفي، يخضع لضغط سياسي داخلي وليس لأي ضغط خارجي أو اميركي، بدليل التطمينات والاشارات الايجابية الصادرة عن مسؤولي الادارة في واشنطن، وكذلك على ما أكدت عليه السفيرة الاميركية في لبنان مورا كونيللي خلال لقائها برئيس واعضاء جمعية المصارف قبل أيام، ليصبح التساؤل بالتالي عن الاسباب والخلفيات وراء استهداف داخلي ومحلي لقطاع اساسي وحيوي جداً.

ان أخطر ما يحدث حالياً من خلال هذه الاشاعات المغرضة هو تعريض القطاع المصرفي لضغوط ومضايقات، ومعه تعريض الاقتصاد اللبناني والوضع المالي ومصالح الناس ومدخراتهم للخطر… وازاء هذا الوضع غير الطبيعي وغير المقبول من الضغوط وحملات التشكيك، ينبغي المبادرة وفي اسرع وقت إلى خطوتين عاجلتين تساهمان في تمتين القطاع المصرفي وتأكيد مناعته وصدقيته وسلامته:

-الخطوة الأولى تكون بإخراج القطاع المصرفي بشكل كامل ونهائي من التجاذبات السياسية وجعله في منأى ومأمن عن كل الصراعات والتوظيفات السياسية كي يبقى هذا القطاع قادراً على أداء دوره بالشكل الافضل والافعل، إن لجهة استقطاب الرساميل أو متابعة عملية التسليف إلى القطاع العام والخاص، وكي نحافظ على الثقة بقطاعنا النقدي والمالي وهي النقطة المرتكزة اساساً على سلامة قطاعنا المصرفي الذي يعمل تبعاً لنموذج برهن عن فعالية وساعد على تجاوز الازمات الخارجية والداخلية والسياسية والمالية.

-الخطوة الثانية هي الاسراع في تشكيل الحكومة، وحيث لم يعد للاقتصاد اللبناني ولا للقطاع المصرفي ولا للناس ومصالحهم قدرة تحمل فترة اضافية من الفراغ الحكومي في ظل توتر سياسي داخلي متصاعد، واستحقاقات مالية داهمة، ووضع اقليمي مضطرب مفتوح على كل الاحتمالات…

لقد آن أوان تشكيل الحكومة ولم يعد من مبرر للتأخير والتأجيل، وبات من الضرورة ولادة الحكومة في أقرب وقت ممكن لأسباب تتعلق أولاً بالأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين المتوقفة مصالحهم والرازحة تحت ثقل ملفات ومسائل مكدسة وعالقة وقرارات حيوية وهامة لم تعد تحتمل انتظاراً وتأجيلاً. وأول هذه القرارات قرار التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لما لهذا القرار من صلة وثيقة بالاستقرار النقدي والمالي والمصرفي والنفسي والمعنوي، خصوصاً في هذه المرحلة الصعبة، وربما الأصعب والاخطر كما يبدو بسبب الانقسامات والخلافات الداخلية العميقة، مضافاً اليها الاحداث والتحولات المتسارعة في العالم العربي وانسداد آفاق السلام في المنطقة.

ان التجديد لرياض سلامة وبقاءه على رأس المصرف المركزي بات ضرورة وحاجة وطنية أكثر من أي وقت مضى لمواجهة أزمات طارئة كالازمة المالية العالمية التي مرت علينا منذ اشهر وغيرها من أزمات كالتي حدثت اخيراً (قضية البنك اللبناني – الكندي) ولأرسال اشارات تطمين وثقة للمستثمرين اللبنانيين والعرب والاجانب وأصحاب الودائع وللأسواق المالية.

وهنا لا بد من الاشارة إلى ما قاله رياض سلامة بكل شفافية ووضوح وذلك خلال مؤتمر مصرفي (نظمته احدى الشركات المالية) منذ ايام: (يصعب على مصرف لبنان التكهن بمدى تمكن لبنان من الاستفادة من الفرص المتاحة حالياً نظراً لما يجري في منطقتنا ، انما يستطيع التأكيد بأنه يمكن للبنانيين متابعة الاستفادة من النتائج الايجابية الاقتصادية والاجتماعية اذا حافظنا على الثقة في قطاعنا النقدي والمالي… لقد تعرض لبنان في قطاعه النقدي والمصرفي إلى خضات تخطاها وتغلب عليها ونحن نتوقع مزيداً من الاستقرار ومن الثقة بالليرة اللبنانية وبالقطاع المصرفي، وسوف يساهم ذلك في تعزيز امكانيات لبنان الاقتصادية).

وفي النهاية لا يمكننا المرور على موضوع شراء "البنك اللبناني – الكندي" من قبل مصرف "السوسيتيه جنرال" مرور الكرام دون ان نشيد بالخطوة الجريئة والشجاعة والسريعة والمدروسة التي قام بها رئيس مجلس ادارة بنك "السوسيتيه جنرال" السيد انطون الصحناوي بالتعاون مع الادارة العامة في فرنسا والتي تملك حوالي 20% من اسهم المصرف، من اجل المحافظة على حوالي 700 عائلة لبنانية تعمل في البنك اللبناني – الكندي من التشرد، إضافة إلى المحافظة على اموال المودعين واللبنانيين وهذه خطوة ايجابية وهامة واساسية في هذا الموضوع يجب علينا للأمانة قولها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل