ترفع التطورات والتحركات الشعبية التي تشهدها المنطقة العربية، من حالة الارباك السائد داخل صفوف قوى "8 آذار"، وهو واقع يتجاوز الخلافات على اقتسام السلطة من باب الحضور في الحكومة التي ستضم الفريق في هذا المحور، على حدّ ما تقوله اوساط سياسية مراقبة ومطلعة. فالحسابات التي على اساسها عمدت قوى الممانعة الداخلية لاسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، تعدلت كلياً في محور الممانعة الخارجية بحسب هذه الاوساط عملاً بالمحور الممتد بين طهران وبين دمشق، بما من شأن تداعياته تعطيل الرؤية حكماً لدى الفريق الداخلي الذي بنى كل تحركاته على وقع توازنات خارجية.
فلدى اسقاط الرئيس الحريري، لم تكن الثورات الشعبية العربية قد انطلقت، فكانت حسابات فريق "8 آذار"، بأن ايلاء الرئيس ميقاتي خلافة الرئيس الحريري، لن يلقى ردات فعل سلبية، لانها جاءت لتظهر بأن الفريق المواجه قادر على تحمل المسؤولية وربما اشراك قوى "14 آذار" رمزياً اذا ما اقتضى الأمر في الحكومة، بما يؤمن حداً أدنى من الشرعية المطلوبة وبنوع خاص من قبل الحالة السنية التي يتزعمها رئيس "تيار المستقبل" الرئيس الحريري. لكن الرسائل الدولية التي وصلت الى الرئيس المكلف ميقاتي، والانتعاش السياسي – الشعبي لقوى "14 آذار"، شكلا ارباكاً له في موازاة مطالب حلفائه في محور "8 آذار". لكن رغم هذا الواقع تقول الاوساط المطلعة، كانت حسابات كل من سوريا و"حزب الله"، بأن الوقت لا يزال مؤاتياً لهم وان سيطرتهما على ملف التشكيل، غير قابل لأي خروقات وان التوقيت يبقى لهما للبيت في ملف التشكيل رغم الخلافات والمطالب التي تشكل عاملاً معرقلاً…
وكانت كل هذه الحسابات تجري في ظل ما بدأ يشهده عدد من الدول العربية من تحركات شعبية وجدها محور الممانعة الداخلي والخارجي، ورقة قوة لصالحه لاعتباره بأن المجتمع الدولي منشغل في متابعة هذه التطورات، وسيعود الى اسلوبه السابق بتكليف سوريا الاهتمام في الملف اللبناني وفق ما تجده مناسباً لها ولمصالحها، دون اعتبار اركان محور "8 آذار"، بأن القرار الدولي تعدل حيال هكذا حسابات على خلفية ما اظهرته قوى "14 آذار" من قدرة في اسقاط هكذا قرار منذ العام 2005، فيما لو توفر مجدداً.
وبعد الاحتفال في ذكرى انطلاقة حركة "14 آذار"، وعلى وقع الحشد الشعبي والمواقف السياسية المطالبة باسقاط سلاح "حزب الله"، تضيف الاوساط ذاتها، نشطت قوى "8 آذار"، للاسراع في تشكيل الحكومة، بهدف تأمين غطاء رسمي لهذا الملف المحوري، لكن هذا التحرك تزامن مع بدء التظاهرات في سوريا واستقبال رئيسها الدكتور بشار الاسد لسياسيين لبنانيين، بهدف الدفع نحو تشكيل الحكومة، كما حصل في بحر الاسبوع المنصرم قبيل اتساع هذا التحرك، وسماع عدة زوار لبنانيين من المسؤولين السوريين عدم قدرتهم على تحويل انظارهم نحو الشأن اللبناني، و"الانغماس" في ملف تشكيل الحكومة، ورفع مستوى التحدي مع الرئيس سعد الحريري.
هذه الوقائع المختصرة، بحسب الاوساط المراقبة، انعكست مباشرة على الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، اذ ان الغطاء الاقليمي المفترض ان توفره سوريا له، بات غير موجود، ومطالب حلفائه في "8 آذار" اسوة برئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون، ثابتة وغير قابلة للنقاش، وموقف "حزب الله" من البحرين، رتب رداً قوياً، يحمل تداعيات اقتصادية وانسانية، لا يقوى على معالجته في ظل الانقطاع العربي عنه، وعدم تمكنه من ضبط موقف الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، والى ذلك بات الرئيس المكلف، يصنف داخل طائفة، بأنه "خرج" من طائفته عندما قبل ان يكون حصان الطائفة الشيعية.
والى ذلك فأن المنطقة، بدأت تشهد رسم خريطة جديدة لها، تفرض تواجد قوى محورية في معادلة التحولات، في حين أن رئىس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بات واياه في خندق واحد للدفاع عن حضور متواضع لهما في الحكومة، وان القرار الذي من المفترض اتخاذه منذ نحو اسبوعين، لم يعد بالامكان اللجوء اليه حالياً، في ظل ما تشهده سوريا من تحركات تؤدي بعيداً عن تداعياتها على الشأن اللبناني، ارباكاً لقيادتها وعدم قدرتها على توفير حماية سياسية له.. فاستناداً الى هذا الواقع، تشير معلومات، ان الرئيس المكلف، بات أمام خيارين، اولهما عدم تشكيل الحكومة، في خطوة يحافظ من خلالها على ما خسره في كل منطقة وطائفته ومن خلالها يؤمن الحد الادنى من حماية مصالحه، وثانيها تكون باشراك كل القوى المعنية في تشكيل الحكومة في الخسارة معه، من خلال صيغة تسقط ابان ولادتها، بحيث لا يرضى عنها الرئيس سليمان والنائب العماد عون، ويعمد من خلالها لاخراج ذاته من الخسارة المباشرة، فاذا ما رفضها رئىس الجمهورية، يكون قضي الأمر، واذا ما عبرت طريقها بعد توقيعه لن يقبلها النائب عون، لكونها لا تلائم حساباته العائلية والسياسية، وفي كل هذه الخطوات المفخخة، يهدف الرئيس المكلف اذا ما تمكن للحم شعرة معاوية مع الرئيس الحريري ومن خلاله مع طائفته ومنطقته، وفق حسابات "عفوية"، لا تأخذ مداها في نوعية هكذا صراع يتجاوز هذا النوع من من التقدير.
وتشير الاوساط المطلعة الى أن التعديل في التوازنات على وقع التطورات في المنطقة وسوريا بنوع خاص، يتطلب ادارة جديدة في لبنان، تمكنه من تجاوز الانعكاسات التي ستلقي بذاتها على واقعه، لانها ستؤدي حتماً الى فقدان قوى "8 آذار"، ورقة الرهان على القوة وعلى دعم محور الممانعة الخارجي، لكون الحركة السياسية التي شهدها لبنان بعيد الانتخابات النيابية، لم تراع نتائج هذا الاستحقاق وحيازة قوى "14 آذار" الغالبية، فكانت الحكومة على وقع توازن "القوى الميدانية"، وليس من زاوية قوة الديموقراطية التي تسعى اليها اخيراً الشعوب العربية، وكذلك كان الأمر في اسقاط الحكومة وتكليف الرئيس ميقاتي، وصولاً الى انسداد الآفاق أمام هذه القوى في تشكيل حكومة حتى من لون واحد…
وقد بدا، وبحسب الاوساط ذاتها، ان تأليف الحكومة لا يستند الى وقائع الخريطة السياسية للقوى اللبنانية والطائفية، ولأن القوى الخارجية مهتمة في شؤونها. ولم تستطع تأمين القطار لمحور الممانعة الداخلي، فقد تبين ومن خلال الأرباك الذي هو عليه الرئيس المكلف، بأن تصويب الأمور غير واضح المعالم، لا بل المضي من جانب "8 آذار" في سياسة الرهان على القوة، يشكل انزلاقاً في الرمال المتحركة التي تتسع في المنطقة، بعد انعاش الواقع الديموقراطي على حساب الواقع الميداني، بحيث قد تصوب الأمور لبنانياً، من خلال سلطة تمتلك فيها قوى "14 آذار"، زمام الحكم جدياً، وتشرك معها قوى 8 آذار، وفق النتائج النيابية للعام 2009، بهدف مواجهة التداعيات الداخلية والخارجية ويؤدي ذلك للحد من الخسائر التي قد تصيب لبنان بحسب ما تقوله الأوساط المطلعة والمراقبة.