كتبت ريتا صفير صحيفة "النهار":
لا يزال الغموض يلف مصير السياح الاستونيين السبعة، بعد 5 ايام على خطفهم. ومع تعدد السيناريوات حيال الجهات التي يمكن ان تكون وراء الحادث، اذ توجَّه اصابع الاتهام تارة الى فئات فلسطينية وطورا ليبية او سورية او حتى محلية، تواصل السلطات اللبنانية تحركها على جبهتين: امنيا، بتكثيف القوى المعنية البحث عنهم، وديبلوماسيا، حيث سجل في عطلة نهاية الاسبوع وصول موفد خاص من الخارجية الاستونية الى بيروت للقاء عدد من المسؤولين في مقدمهم وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال علي الشامي.
واذا كان بعض الاوساط يحرص على التكتم حيال أبعاد الحادث الذي بات يمس بسمعة لبنان ويعيد الى الاذهان مرحلة الخطف التي طبعت الحرب اللبنانية في الثمانينات، فان الاتصالات الغربية التي عكستها وسائل الاعلام الاوروبي وتحديدا الاستونية حملت اكثر من دلالة على هذا المستوى.
اولاها، البعد السياسي والديبلوماسي الذي اتخذه الحادث في الاوساط الغربية والاوروبية، وقد ترجمه كلام وزير الخارجية الاستوني اورماس باوت الذي تحدث الى وسائل الاعلام في بلاده عن مشاورات تجري بين المسؤولين الغربيين والاوروبيين حيال القضية. مشاورات بلغت الممثلة العليا للسياسة الخارجية والامنية في الاتحاد الاوروبي كاثرين آشتون، ووزراء خارجية فرنسا ألان جوبيه وتركيا داود اوغلو وايطاليا فرانكو فراتيني. كما ان ثمة اتصالات ديبلوماسية تجري مع الولايات المتحدة وبريطانيا وبولونيا. ونقل باوت عن دول ومنظمات عدة عرضها تقديم مساعدة الى الدولة الاوروبية الناشئة، شاكرا لهذه الدول والمنظمات مبادرتها.
ثانيتها، الاتصالات التي اجرتها الخارجية الاستونية مع المسؤولين اللبنانيين في الايام الاخيرة. وقد شملت، وفقا لوزير الخارجية الاستوني، وزير الداخلية في حكومة تصريف الاعمال زياد بارود، والوزير الشامي. ونقل باوت عن المسؤولين اللبنانيين اهتمامهم بالحادث في شكل جدي. والاهتمام هذا تمثل في اطلاق حملة فورية للبحث عن السياح المفقودين على قول وزير الخارجية الاستوني، مشيرا الى انه الحادث الاول من نوعه في لبنان منذ فترة طويلة، كما انه يشكل "طعنة" لسمعة البلاد. وفي الاطار عينه، برز كلام مطمئن لقنصل استونيا الفخري في لبنان سامي قاموع الذي ابلغ وسائل الاعلام الاوروبية الخطوات التي يتخذها الجيش اللبناني في هذا الصدد واستخدامه طائرات الهيلكوبتر وتدقيقه في كاميرات فيديو ملاحظا انه امكن تمييز وجوه الاستونيين وليس الخاطفين باعتبار ان الاخيرين ارتدوا اقنعة. وكان القنصل الفخري زار مكان الحادث حيث وجه اسئلة الى السكان المحليين. وفي محاولة لتهدئة المخاوف قال لاحدى اكبر الصحف الاستونية "ايستي باييفالهت":" أبلغوا رئيسكم ألا يقلق، سأقوم بما في وسعي".
وفي تصريح آخر، اعرب قاموع عن اعتقاده أن المخطوفين ما زالوا على الاراضي اللبنانية، نقلا عن الجيش اللبناني، مستبعدا ان يكونوا في سوريا.
وثالثة هذه الدلالات برزت في الخطوات العملية التي تمخضت عنها حركة الاتصالات الديبلوماسية. ومن تجلياتها، ايفاد الخارجية الاستونية مبعوثا خاصا الى لبنان لمتابعة الازمة. وقد افادت الناطقة باسم الخارجية ميننا ليننا التلفزيون الاستوني ان الديبلوماسي الاستوني وصل الى لبنان في عطلة نهاية الاسبوع، وقد تمكنت سلطات بلاده من الاتصال به بعيد قدومه الى بيروت. ووفقا لاعلان صدر عن الخارجية الاستونية، سيتولى الموفد الخاص اجراء اتصالات مع السلطات المحلية والسفارات التابعة لحلف شمال الاطلسي ودول الاتحاد الاوروبي.
وفي موازاة ذلك، اجرت الخارجية الاستونية اتصالات تهدئة بأهالي المخطوفين السبعة. وردا على المعلومات المتداولة عن توقيف الجيش اللبناني شخصا قد يكون مرتبطا بالحادث، فضلت الناطقة باسم الخارجية الأستونية التريث في تأكيد المعلومة او نفيها، مكتفية بان الموفد الخاص سيتولى التدقيق في المعلومات المتصلة بالقضية.
رابعتها، يبدو ان الحضور السياحي الاستوني في لبنان وسوريا لا يقتصر على مجموعة الشبان الذين خطفوا الاربعاء الماضي، بل ان ثمة مجموعة من 36 شخصا وصلت الى مطار بيروت في 19 آذار ثم انتقلت الى سوريا، قبل ان تعود مجددا الى بيروت في 26 الجاري لتسافر منها الى استونيا. ووفقا لمسؤولة احدى وكالات السياحة الاستونية التي تتولى تنظيم رحلات الى المنطقة، ثمة حجوزات اضافية مقررة الى لبنان وسوريا في تشرين الاول المقبل، سيحدد مصيرها انطلاقا مما ستؤول اليه نتائج حادث الخطف. وبحسب المسؤولة في وكالة السياحة، فان عملية الخطف فرضت لوهلة تعديلا في جدول الرحلة بعدما برزت اقتراحات بإعادة السياح الى بلادهم عبر الاردن، الا ان الاتصالات التي اجرتها الشركة طمأنت المسؤولين، الذين فضلوا عدم اثارة هلع في صفوف السياح.
خامستها، لا شك ان من ابرز تداعيات الحادث بروز قلق عكسه الاعلام والحضور الغربي في لبنان حيال احتمال احياء عمليات الخطف التي شهدتها البلاد، وخصوصا في مرحلة الثمانينات. وكانت حصيلتها خطف نحو 100 اجنبي بين 1982 و1990، معظمهم من الاميركيين والاوروبيين.
وبعد، هل تُكشف ملابسات العملية ليصار الى حصر مفاعيلها، حفاظا على هيبة ما تبقى من الدولة؟