باتَ محسوماً الآن أنّ الزلزال الديموقراطيّ العربيّ لم يعد يميّز بين إعتدال وممانعة ولا يعبأ بصراع المحاور، وأنّه يأتي على أنظمة عبادة الفرد والتوريث والحزب الواحد والتسلّط المديد، الواحد منها بعد الآخر.
وهذا بدوره لا يجيز التفاؤل على طول الخطّ، ذلك أن الطبيعة الديموقراطية الإجمالية للزلزال الراهن لا تكفل وحدها البناء الديموقراطيّ بعد الزلزال، كما أنّ الإستفادة من السمة الفوق وطنية أو "القومية الجامعة" للزلزال رهن بعدم تضييع بوصلة الدولة الأمّة، وضرورة سعي كلّ مجتمع عربي إلى أن يحقّق نفسه في دولة أمّة.
وطبعاً يتوقّف الأمر في جزء أساسيّ منه على ما كان يطوّره كلّ نظام أحاديّ قبل سقوطه من إمكانات وعوائق. إذ ثمّة إختلاف بين نظام أحاديّ كان يتعايش مع هامش تعدّدي له، وبين نظام أحادي ما كان يمكنه التعايشه مع أي هامش من هذا النوع. وثمّة إختلاف بين نظام أحاديّ كان يمعن في سياسة "فرّق تسد" ضدّ شعبه ليجعل وحدته الوطنية على المحك إذا سقط هو، وبين نظام أحاديّ كان يشعر بأنّه ما عليه إلا عزل الأنوية المناوئة له عن المجتمع حتى يطيب له الإستمرار إلى ما لا نهاية.
وهكذا نجد أنّ النظام التونسيّ زمن زين العابدين بن عليّ كان النظام الأحاديّ الوحيد الذي لم يطوّر عوائق تجعل من سقوطه إمتحاناً للوحدة الوطنية والكيانية، كما أنّه النظام الذي لم يطوّر عوائق أيديولوجية ضدّ الديموقراطيّة التمثيلية، بل على العكس، كانت مشكلته أنّه حاول تزوير طابعه البوليسي الفاضح بشعارات على طراز "تونس بن علي تخطو خطوات جبارة على طريق تداول السلطة وحقوق الإنسان" (وهو أوّل شعار طالع كاتب هذه السطور عند أول زيارة له إلى تونس عام 2002).
أمّا النظام المصريّ في أيّام الرئيس السابق حسني مبارك فكان النظام الأحاديّ الذي فُرِضَ عليه التعايش مع هامش تعدّدي يتّسع حيناً ويضيق حيناً آخر، وكانت رصاصة الرحمة التي أطلقها هذا النظام على نفسه يوم عمد إلى إلغاء هذا الهامش في إنتخابات المجلس التشريعيّ الأخيرة، فكان ما كان: ما عادت التعدّدية تقبل بالهامش وصارت تطمع بالمتن. أما الأحادية السابقة فانكفأت إلى الهامش وصارت تطمع إلى أن تعود لتلعب دوراً مرجّحاً في أقصى تقدير، ومؤثّراً في أقلّ تقدير.
لقد كان الإعتدال الجمهوريّ العربيّ تسلّطياً، لكنه بقي أقلّ تسلّطية من الممانعة الجمهوريّة العربيّة. فالنظام الذي يرتضي الإنفتاح الإقتصاديّ ولو في نماذج مثقلة بالفساد الكبير، لا يمكنه أن يحتجز الحريّة السياسيّة بالسهولة القمعية نفسها التي يحتجزها نظام أكثر ممانعة أمام الإنفتاح الإقتصاديّ.
أما الأهمّ من ذلك، فهو أنّ الإعتدال الجمهوريّ العربيّ لم يوجد عوائق أيديولوجية تحول دون الديموقراطية أو تفخّخ الوحدة الوطنية إن هو رحل (في حال تونس) أو أنّه سمح بهامش حريّة رأي اعتقد مطوّلاً أنّه سيظّل رأياً مدجّناً، فكان العكس: حريّة الرأي المدجّن مهّدت السبيل لحرية الرأي الحرّ (في حالة مصر).
في المقابل، فإنّ الأنظمة الممانعة العربية لم تفعل سوى إنتاج عوائق أيديولوجية تحول دون الديموقراطية أو تفخّخ الوحدة الوطنية إن هي رحلت، ولم تسمح بهامش حريّة رأي مدجّنة، وأمّنت تطوّر قطاع فسادها بأقل قدر ممكن من الإنفتاح الإقتصاديّ وحريّة التجارة.
إلا أنّ الأنظمة الممانعة العربية أعتقدت أنّها تمتلك لوحدها، دون الأنظمة المعتدلة، مخدّراً يقوم مقام الشرعية الديموقراطيّة، أي اعتقدت أنّ لها شرعية ثورية قومية تختصرها كلمة الممانعة.
فبعد تحرّر البلدان العربية من ربقة المستعمر الأوروبيّ، وبعد خسارة هذه البلدان في حرب فلسطين عام 1948، كانت الإنقلابات العسكرية هي الشكل الوحيد للتداول غير الديموقراطيّ على السلطة. ثم انحسرت الوتيرة وصرنا إلى تجربة "الإنقلاب الأخير" الذي يزيّن لنفسه بأنّه إنقلاب أبديّ. أي أنّه "إنقلاب الإنقلابات" وحصيلتها النهائية، وأنّه قادر على تجاوز الأجل البيولوجي (الموت) بالاستمرارية البيولوجية (الوراثة) وبأنّ لديه ما يقوم مقام الشرعية، من مثل التخويف من المجهول، والممانعة أمام الأجنبيّ.
لكن ما يحدث حالياً أن الزلزال الديموقراطيّ يطاول فكرة "الإنقلاب الأبديّ" نفسها، وطبعاً ليس لأنّ القوى الحية تطوّرت داخل كل مجتمع عربيّ بشكل يتناقض مع عدم إصلاح النظام لنفسه، وإنّما لأنّ النظام جفّف معظم المصادر المنظورة للحيوية الخلاقة ضمن المجتمع، وهدر أو بدّد أو صادر أو قمع الطاقات الإبداعية، لكنه لم يبال بالثلاثية الناشئة من المجتمع الإستهلاكي المتوسّع، ومظاهر التديّن المتزايدة، وثورة الإتصالات، فكانت هذه الثلاثية من النوع الذي جعل من إرتدادات الزلزال التونسيّ زلزالاً ديموقراطياً عربياً شاملاً يسرح من بلد إلى آخر، بل "طوفاناً" (وفي البال عمر أميرالاي) يفيض على المعتدلين والممانعين دون تفرقة.