لم تشغل الساحات الملتهبة في أكثر من بلد عربي، اللبنانيين عن التوجّه إلى بكركي، والإنصات بعقولهم وقلوبهم إلى خطاب <الشراكة والمحبة> الذي أراده سيّد بكركي الجديد عنواناً لرسالته، ونهجاً لدوره، وأساساً لموقعه الروحي والوطني.
الذين يعرفون <المطران> بشارة الراعي، وتابعوا خطابه السياسي في السنوات الأخيرة، لم يُفاجأوا بكلمات <البطريرك البشارة> الواعية، ولا بمواقفه الواعدة، والتي اتسمت بكثير من الوضوح والحكمة، إلى جانب الرغبة الصادقة بطي صفحة الخلافات والحزازات، والانطلاق نحو سياسة لمّ الشمل المسيحي، وصولاً إلى لملمة الوضع اللبناني على أسس ومرتكزات وطنية ثابتة، تكون منطلقاً لبناء وطن الحرية والعدالة والمساواة.
كان البطريرك الراعي حاسماً في تحديد ثوابته الوطنية، بأسلوب لم تنقصه البلاغة، وبعبارات لم تغب عنها الفصاحة، وبكلمات عبّرت عن الأفكار والأهداف بوضوح لا مكان فيه لالتباس أو غموض.
* * *
الواقع أن كلام الراعي الجديد لبكركي لا يحتاج الى كثير من التفسير والتحليل، بقدر ما يستحق وقفة متمعّنة، لاستشراف الآفاق التي حاول الخطاب رسمها أمام اللبنانيين، لإخراجهم من دوامة الخلافات المستعصية.
{{ في العيش المشترك، لم يتوقف البطريرك الراعي عند الثوابت الوطنية للعيش المشترك عند اللبنانيين وحسب، بل تعمد الى ان يجول بفكره الى القضية التي تشغل المسيحيين في الشرق، كما في الفاتيكان، وذلك بعد الجرائم المستنكرة التي تعرض لها مسيحيو العراق تحت بصر الاحتلال الاميركي، وادت الى نزوحهم عن ارض الآباء والأجداد.
من اجل الشركة والمحبة نعمل معاً في بلدان الشرق الاوسط، فنحافظ على علاقاتنا التضامنية مع العالم العربي ونوطدها، ونقيم حواراً صادقاً وعميقاً مع اخواننا المسلمين، ونبني معاً مستقبل عيش مشترك وتعاونا، ذلك ان مصيراً واحداً يربط بين المسيحيين والمسلمين(…).
وكأن الراعي اراد ان يقول لرعيته في لبنان والمنطقة ان الوجود المسيحي في الشرق ليس مجرد وجود تاريخي وتراثي، بقدر ما يجب ان يكون وجودا عضويا وتضامنيا مع هذه المجتمعات التي تواجه مصيراً واحداً بمكوناتها المختلفة: الطائفية والإتنية.
وان دور لبنان، والمسيحيين خاصة، يكبر عند الانفتاح والتفاعل مع المحيط العربي، ويصغر ويتضاءل في حال الانغلاق والتقوقع <اطلق على البطريرك الماروني شعار <مجد لبنان اعطي له>، مجد لبنان ينتقص بالانغلاق على الذات والتقوقع، لكنه ينمو ويعلو بالانفتاح على الآخر، على هذا الشرق وعلى هذا العالم> (…).
{{ في الوحدة الوطنية: حرص خطاب <الشركة والمحبة> على التأكيد على مبدأي: المشاركة والمساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات امام الوطن> فالوطن ليس لطائفة او حزب او فئة، ولن يحتكره احد لان احتكار فئة له احتقاراً لنا جميعاً>. وكأن سيّد بكركي يحذّر بهذا الكلام من خطر الانزلاق إلى وهم احتكار السلطة والقرار السياسي في البلاد، بقدر ما ينتقد تجارب الهيمنة والتسلط التي عانت منها دولة الاستقلال.
{{ في المواقف السياسية والوطنية، جاء الاستشهاد المستفيض بمواقف أسلافه من البطاركة من بدايات الكرسي الأنطاكي إلى تجارب الأجلاء المعوشي وخريش وصفير، ليؤكد لمن يعنيه الأمر، أن لا تراجع عن ثوابت بكركي الوطنية، التي تقوم على التمسك بالعيش الواحد بين اللبنانيين، وتدعم قيام الدولة القوية والقادرة، وتحافظ على مبادئ الحرية والديمقراطية والسيادة <تسألونني جميعكم ايها الأحباء عن برنامج خدمتي… برنامجي امتداد لتاريخ أسلافي، وعلى مدى 1600 سنة لثوابتهم الايمانية والوطنية(…) وأبينا البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الذي ناضل من أجل تحرير القرار الوطني، والأرض اللبنانية من كل اشكال الوصاية والاحتلال، وأجرى المصالحة في الجبل، وحقق الاصلاحات الكنسية اللازمة، والذي في عهده جرت أحداث كنسية كبيرة>(…).
بعد هذا الكلام لا مجال للخوض في تخمينات أو تكهنات حول المواقف الوطنية التي سيتخذها سيّد بكركي الجديد.
وليس أفضل من هذا الكلام في إنصاف البطريرك التاريخي نصر الله صفير بمواجهة حملات التجني والتطاول التي استهدفته في المفاصل الحاسمة لمسلسل الأزمة اللبنانية.
* * *
بقيت كلمة حول الاحداث الأمنية الجارية حالياً في سوريا الشقيقة.
من الطبيعي ان يتابع اللبنانيون، وبكثير من القلق، ما يجري حالياً من مواجهات دامية بين المتظاهرين ورجال الأمن في عدد من المدن السورية.
وبعيداً عن أي تدخل في الشأن الداخلي السوري، ومع كل التأكيد على أهمية الأمن في سوريا الشقيقة بالنسبة للأمن في لبنان، لا بد من تسجيل بعض الملاحظات اللبنانية حول الحدث السوري الكبير.
1 – ان العنف لا يحل أية مشكلة، بل أثبتت التجارب في لبنان وبلدان عربية اخرى، ان اللجوء الى الأساليب العنفية يزيد المشاكل تعقيداً، ويزيد الأزمات تفاقماً.
ولعل قرار الرئيس بشار الأسد بعدم اطلاق النار على المتظاهرين كان الخيار الأصوب لتطويق الازمة في بداياتها، ولكن ما حدث على الارض دفع التطورات في اتجاه معاكس.
2 – ان الحوار هو الطريق الوحيد الذي يؤدي الى الحفاظ على هيبة السلطة واستقرار الدولة وعلى امن الناس.
ولطالما كانت دمشق هي راعية الحوار بين اللبنانيين في فترات الازمات المتكررة منذ الوثيقة الدستورية في عهد الرئيس سليمان فرنجية، الى الاتفاق الثلاثي، واخيراً الى اتفاق الطائف.
3 – ان <تسونامي> حركة الاحتجاج التي تجتاح العالم العربي حالياً، تطرح جملة متغيرات بنيوية في الانظمة والسلطات الحالية، لا بد من اخذها بعين الاعتبار برؤية اصلاحية مستقبلية تحفظ أمن البلد أولاً، وتلبي مطالب الأكثرية الساحقة من المواطنين التواقين إلى العيش الكريم في وطن يحترم مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.
الحقيقة أن الحديث عن <فتنة في سوريا> يثير هلع اللبنانيين ومعهم إخوانهم العرب، لان اية فتنة تستهدف سوريا، لا سمح الله، لن تبقى نيرانها محصورة داخل الأراضي السورية، بل قد تتحول إلى شرارة تُشعل المنطقة بأسرها.. وهذا ما يسعى إليه العدو الصهيوني، ومعه أعداء العرب الطامعين بثرواتهم الطبيعية والمالية.
ولعل النموذج التركي في الإصلاح والإنفتاح يبقى هو الأنسب لسوريا، وللعديد من الدول العربية الأخرى التي تتعرض حالياً لإمتحانات التغيير والتطوير والتحديث. من بكركي إلى دمشق.. يبقى الهم واحداً.. وكذلك الأمل واحداً!
حمى الله لبنان وسوريا..