كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":
هذه المسألة بدأت تُطرح بقوّة في الآونة الأخيرة في الأوساط الديبلوماسية الغربية والعربية في بيروت، خصوصا بعدما بدأت "الانتفاضات الإقليميّة " ترخي بثقلها على الواقع السياسي الداخلي، وتطرح معطيات جديدة تنذر بإعادة خلط الأوراق ورسم خريطة نفوذ مختلفة نتيجة السجالات الجارية على وقع ما يحصل في دمشق أو في البحرين.
وليس الربط ما بين مسلسل التوتّر الأمني وأحداث ليبيا سوى مقدّمة لتحوّلات نوعية تتخوّف منها جهات أمنية داخلية وخارجية. وبرأي المراقبين الديبلوماسيين فإنّ سقفا جديدا بدأ يتشكّل للاستحقاق الحكوميّ لن يؤدّي إلى الإسراع في حلحلة عملية التشكيل، بل على العكس، سيترجم مزيدا من التأخير في مسيرة عمل الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي.
فالتباين في المواقف العربية إزاء الوضع اللبناني لم يعد يقتصر على إبداء الموقف فقط، بل تخطّاه إلى الدخول بشكل قويّ على خط المعالجات الجارية من أجل الدفع نحو الوصول إلى تسوية الخلافات داخل الفريق الواحد تمهيدا لقطع الطريق على أي مزايدة مسجّلة على هذا الصعيد.
وفي هذا السياق توقّع المراقبون أن تؤدّي التطوّرات الأخيرة في سوريا إلى المزيد من الانخراط من قبل القيادة السورية بالدرجة الأولى، ومن قبل إيران بالدرجة الثانية في التجاذبات الداخلية، نظرا لانعكاس أيّ ترَدٍّ لـ"الستاتيكو السياسي" اللبناني بعد سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري، على النفوذ السياسي لحلفاء هذا المحور في المرحلة المقبلة، وبالتالي فإنّ الأزمة الحكومية لم تعد مجرّد صراع على الحقائب الوزارية، بل تخطّت هذا المستوى إلى الارتباط المباشر ما بين الملفّات الإقليمية والروزنامة السوريّة الجديدة والتواصل المستجدّ على خط دمشق ـ الرياض.
وهذا الواقع بات يستدعي خريطة تحرّك من قبل الرئيس المكلّف تهدف إلى الخروج و" بأيّ ثمن" من حالة المراوحة الراهنة والشروع في إعداد تشكيلة حكوميّة تختلف عن التشكيلة التي رفعها الرئيس ميقاتي إلى رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان يوم الإثنين الماضي.
لكن هذا التطوّر لا يعني حُكما أنّ ولادة حكومة الرئيس ميقاتي باتت قريبة، لأنّ المشهد الإقليمي لم ينضج بعد بانتظار ما سينجم عن إعادة إحياء معادلة السين ـ سين، مع ما يعنيه ذلك من تبدّل في المواقع الداخلية لحلفاء الطرفين، إذ إنّ دور الرياض عاد من نافذة تطوّرات البحرين والتقارب السوري ـ السعودي في الموقف إزاء التدخّل الخليجي العسكري فيها.
وإزاء الصعوبات التي تعترض عملية التشكيل داخل فريق الأكثرية الجديدة فإنّ عودة الزخم السعودي إلى المشهد اللبناني سترفع من وتيرة التجاذبات وتعيد طرح دور أوسع وأكثر تأثيرا لكلّ من الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط، وحتى الرئيس ميقاتي نفسه، فتأتي الحكومة مخالفة لكلّ توقّعات" الأكثريين الجدد" وتقترب في الصيغة إلى حكومة التكنوقراط البعيدين عن أيّ صبغة سياسيّة بحيث يتخطّى الاستحقاق الحكومي مطبّات الاعتراض الدولي، كما المعارضة الداخلية لقوى 14 آذار، ويأتي منسجما مع تطلّعات الرئيس المكلّف في أن ينأى بالواقع الحكومي عن حال الانفصام الخطير الذي تشهده البلاد منذ أشهر.