يعتقد مرجع أمني لبناني كبير أن مسألة اختطاف الأستونيين السبعة في البقاع اللبناني، تحوّلت في الساعات القليلة الماضية، في جانب منها، شكلا من أشكال المواجهة الليبية مع الاتحاد الأوروبي على خلفية العملية العسكرية التي يخوضها التحالف الدولي في ليبيا، بالتعاون بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، من دون إغفال ان تكون للعملية اهداف تتصل بخطف مهندس فلسطيني في أوكرانيا في 22 آذار الجاري. وسبق للسلطات الأوكرانية ان استدعت سفير اسرائيل لديها للتحقيق في اختفائه.
وفي معلومات "الجمهورية"، والتي تبادلتها المراجع الأمنية العليا اللبنانية والأوروبية بسرية تامة حول نتائج التحريات والتحقيقات التي جرت على اكثر من مستوى، فقد ثبت بما لا يرقى اليه الشك أنّ العملية اعادت لبنان الى لائحة الدول المستباحة أمنيا ومخابراتيا لتتحول ارضه مجددا ساحة لتبادل الرسائل بين جهات عربية ودولية مختلفة، وهو امر اعتادت الأجهزة الأمنية التعاطي معه لعقود ثلاثة خلت قبل العام 2005.
وفي المعطيات التي انطلقت منها القراءة الأمنية اللبنانية والأوروبية لهذه الرواية، ان المخطوفين السبعة يحملون جوازات سفر خاصة من الاتحاد الأوروبي سمحت لهم بدخول لبنان منتصف الشهر الجاري.
فلبنان الذي لم يعترف إلى اليوم باستقلال الدولة الأوروبية الصغيرة أستونيا، شأنه كما معظم الدول في العالم التي لم تعترف بها بعد، لا يمنح مواطنيها سمات دخول الى اراضيه، لكنّ حيازتهم الجواز الأوروبي الموحّد سمح لهم بدخول لبنان عن طريق مطار بيروت الدولي في الخامس عشر من آذار الجاري، حاملين معهم امتعتهم ودرّاجاتهم الهوائية بالطائرة، وأمضوا فيه ثلاثة ايام قبل مغادرتهم في الثامن عشر من الشهر الجاري عبر معبر العبّودية على الحدود الشمالية باتجاه الأراضي السورية التي امضوا فيها، على ما يبدو، ستة أيام قبل العودة الى لبنان عصر الرابع والعشرين من آذار الجاري عن طريق المصنع قبل نصف ساعة تقريبا من اختطافهم في المدينة الصناعية قرب زحلة.
وما عزّز هذا الاعتقاد أنّ المعلومات التي جُمِعت من مصادر متعددة، ومعظمها من الأفلام التي تمّت مصادرتها من كاميرات العشرات من المؤسسات اللبنانية المنتشرة على طول الطريق من المصنع الى المدينة الصناعية في ضاحية زحلة، أن إحدى السيارات – وهي المرسيدس بزجاج حاجب للرؤية – التي شاركت في عملية الخطف، رافقتهم منذ لحظة دخولهم الأراضي اللبنانية.
وهي معلومات أكّدت أنّ عملية الخطف كانت منظَّمة بدقة متناهية، وأنّ اجهزة استخبارية ووحدات متخصصة نفذتها على الأراضي اللبنانية، بدليل ان الخاطفين جهزوا كامل العدّة في انتظارهم، ومنها سيارة فان كبيرة الحجم كانت تنتظرهم في منطقة تخلو من الحركة نسبيا بعد الساعة الخامسة عصرا، لتتولى نقلهم ودرّاجاتهم بحرية الى حيث تركوا الدراجات واحتفظوا بالسياح السبعة.
ويضيف المرجع الأمني المعني، أيا تكن الجهة الخاطفة، سواء أكانت من "فتح الانتفاضة" أو من "الجبهة الشعبية – القيادة العامة لتحرير فلسطين" اللتين تتمتعان بقدرة فائقة على الحركة في منطقة العمليات التي جرت فيها عملية الخطف وفي مسرح عملية نقل المخطوفين الى جهة ما زالت مجهولة، فإنّ الثابت حتى هذه اللحظة لدى المحققين اللبنانيين أنّ وحدات منهم أو أنّ آخرين متعاونين معهم يُسمح لهم بالتجوال في هذه المناطق، قد نفذوا العملية، إما لاسترداد المهندس الفلسطيني المخطوف او لمصلحة جهاز الاستخبارات الليبية أو لجهاز وسيط.
وفي الحالتين، يبدو أنّ الطرف الليبي الذي يموّل هذه التنظيمات والاتحاد الأوروبي هما الطرفان المعنيان بالعملية. لكنّ التثبت من أنّ المخطوفين باتوا خارج لبنان، وهو امر رجّحته مصادر فلسطينية أبلغت إلى الجهات الأمنية اللبنانية أنّ الأمر لديها مرجّح وشبه ثابت، طالما أنّ العملية جرت في مناطقهم من دون علمهم بتفاصيلها.
وردّا على الأنباء التي تحدثت عن إجراءات استثنائية باشرتها أجهزة الأمن السورية منذ ايام على معابر المصنع والعبّودية والعريضة على الحدود اللبنانية – السورية الشمالية والشرقية، قال المرجع الأمني: "لدينا العلم بذلك، وهي تدابير ليست جديدة، وهي بدأت قبل خطف الأستونيين وما زالت، ولا علاقة لها بالحادث، وهي مرتبطة بالوضع الذي تعيشه سوريا، ودليل إضافي على عمق قلقها من الخارج. فالإجراءات السورية الخاصة بالتدقيق في هويّات الداخلين إلى الأراضي السورية من لبنان والأردن والعراق وتركيا وأمتعتهم، والسؤال عن أمكنة إقامتهم والهدف من زيارتهم، والمناطق التي يقصدونها في أثناء وجودهم في سوريا، تدابير روتينية رفعت من نسبتها الأحداث التي تشهدها سوريا منذ أسابيع".
هذا على المستوى الأمني، أمّا على المستوى الدبلوماسي، فقد كشفت مصادر دبلوماسية اوروبية لـ"الجمهورية" أن بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان سارعت الى تكثيف اتصالاتها بالمراجع الأمنية اللبنانية وبعثاتها الدبلوماسية في لبنان لمواكبة الحادث، بعدما تلقّت، بعد ساعات على عملية الخطف، طلبا من حكومة أستونيا عبر مقرّ الاتحاد في بروكسل، حيث كانت تعقد الجلسة الختامية لقمة الاتحاد الأوروبي، للبحث في نقل امرة العمليات في ليبيا الى قيادة الناتو.
ولذلك عقدت البعثة اجتماعا موسّعا في مقر السفارة الفرنسية في بيروت صباح السبت الماضي، ضمّ عددا من الدبلوماسيين والسفراء، منهم الى السفير الفرنسي، سفراء ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، وكبار مسؤولي البعثة، قبل ان تنضم بعثة أمنية أستونية اليهم. وخصص الاجتماع للبحث في المعلومات الأولية التي تبلّغها الأوروبيون من المراجع الأمنية اللبنانية، وما آلت اليه أعمال البحث في المنطقة. وانتهى الاجتماع الى تشكيل خلية أزمة تديرها فرنسا لمواكبة كل جديد في هذا الملف.
وقالت المصادر الدبلوماسية لـ"الجمهورية" إنّ الاجتماع وزع المهمات على بعض المسؤولين والملحقين العسكريين الأوروبيين المعتمدين لدى سفاراتهم، الذين تواصلوا مع قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية لمواكبة التحقيقات التي رفعت من نسبة الجهوزية الأمنية في البقاع، ووضعت أسلحة البرّ والجو في الجيش اللبناني فيها في حالة استنفار قصوى، وهو أمر قال فيه الدبلوماسيون الأوروبيون رأيهم بارتياح وصراحة، مادحين نسبة الاحتراف اللبناني في مواجهة عمليات صعبة ومعقدة من هذا النوع في مواجهة الإرهاب.
تزامنا مع التحرّك الأوروبي، كانت بعثة فرنسية – أستونية دبلوماسية وعسكرية مجهّزة بآلات رصد متطورة، قد تفقّدت يوم السبت الماضي الموقع حيث جرت عملية الخطف، والمناطق التي يُحتمَل أن الخاطفين قد سلكوها على طول الطرق الدولية من شتورا إلى المصنع والمدينة الصناعية – دير زنون – المصنع، بالتنسيق مع قيادة منطقة البقاع في قوى الأمن الداخلي وضبّاط من الجيش اللبناني الذي تنتشر وحداته في المنطقة.
وعلمت "الجمهورية" أن زيارة البعثة تقرّرت بعدما طلب لبنان عبر السفارة الفرنسية وبعثة الاتحاد الأوروبي تزويد القوى الأمنية اللبنانية الصور التي يحتمل أن تكون قد التقطتها الأقمار الصناعية التي ترصد المنطقة تسهيلا لعملية البحث عن موكب السيارات التي استخدمت في عملية الخطف وتحديد خط سيرها. وقد تلقت الأجهزة اللبنانية وعدا بأن الأفلام التي طلبتها ستكون بتصرفها في غضون ساعات، إن لم تكن قد وصلت اليها ليل الأحد.
على هذه الخلفيات توقّعت المراجع الأمنية ومعها المصادر الدبلوماسية الأوروبية عبر "الجمهورية" أن تقود هذه القراءة للعملية واسبابها – في حال دقتها وصوابية مضمونها – أن يتلقى الاتحاد الأوروبي في الساعات أو الأيام المقبلة معلومات حول شروط الخاطفين لبدء المفاوضات، أو على الأقل لإثارة الغبار السياسي والدبلوماسي على ابواب الاجتماع المقرَّر عقده في لندن الثلثاء، على مستوى وزراء خارجية دول مجموعة الاتصال حول ليبيا، وتضم الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، بريطانيا والدول التي تخوض الحرب على النظام الليبي، والذي سيتوسّع لتحضره دول الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والدول التي كانت تسهم في مساعدة البعثة الإنسانية في ليبيا، علما ان لبنان لم يقرّر بعد المشاركة فيه على رغم الدعوة الرسمية التي سلمتها الأسبوع الماضي السفيرة البريطانية فرانسيس ماري غاي الى وزير الخارجية علي الشامي من نظيره البريطاني وليم هيغ.