الساعة اللبنانية باتت مضبوطة على توقيت درعا.. وأخواتها. فما قبل درعا يختلف بالتأكيد عمّا بعدها، سواء تكرر في سوريا نموذج "إسقاط النظام"، كما في تونس ومصر، أم تمكّن النظام السوري من خلق نموذج جديد، هو نموذج "التسوية"، فيقدّم هذا النظام تنازلات يكتفي بها الشارعان ويعود كل الى قواعده سالما حتى إشعار آخر.
لم تعد الساعة في لبنان مضبوطة على القرار الاتهامي فقط، وخصوصا انه ليس منتظرا في غضون اسابيع بل في شهور، وفق ما رشح أخيرا. وفي أثنائها سيكون الشرق الأوسط كله قد تبدل تماما، في الأنظمة.. والخرائط ربما. عندئذٍ قد يصدر القرار الاتهامي، وكأنه جاء ليكمل كشف الصورة في مرحلة تتغير، هي والكثير من ابطالها.
وكذلك المحاكمات المنتظرة. لذلك تعيش بعض القوى، ولا سيما "حزب الله"، قلقا إزاء المتغيرات التي لا طاقة لأحد على وقفها. فمصيره على المحك.
قد يتبدل النظام في سوريا وقد لا يتبدل. لكنّ هناك سلوكا سيتبدل من دمشق في اتجاه لبنان، كما في اتجاه دول الجوار كلها، التي لطالما انغمس السوريون في ازماتها الداخلية: العراق، الأردن، الفلسطينيون، ومصر وسواها.
الشرق الأوسط سيكون مختلفا، لأن الشرق الأوسط القديم كانت تحكمه معادلات اقليمية ثابتة، منها المحور السوري – الإيراني في توازن للقوّة مع المحور العربي الحليف للولايات المتحدة. وستبدو الدول المعنية بالتوازن أمام محك القدرة على إدارة شؤونها من دون تدخل، وعلى التوازن وحدها من دون الحاجة الى "دعائم اقليمية" اعتادتها.
لكنّه سيكون جديدا ايضا لأن هذه "الدعائم"، وبينها سوريا، هي ايضا فقدت قدرتها على الاضطلاع بدور توسعي في المنطقة، او ربما لحقت بركاب التغيير في الانظمة او الخرائط.
المثير هو انه، في ظل العاصفة التي تشغل السوريين، بدءا من درعا، كان بعض طبّاخي الحكومة الجديدة يسألون الرئيس بشار الاسد رأيه فيها. واذا كان السوريون يحاذرون، في هذه المرحلة، اظهار تدخلهم في الشؤون الداخلية اللبنانية، فإن اطراف الغالبية الجديدة في الحكومة ينصرفون في اتجاه معاكس. فماذا يفعل النائب وليد جنبلاط مثلا في لقائه مع الأسد؟ هل يبحث معه في الملف الداخلي اللبناني أم في الملف الداخلي السوري؟ وفي الحالين، اشارة الى ان لبنان وسوريا لم يخرجا من اثقال المرحلة السابقة، على رغم التجارب التي مرّ بها البلدان.
ومثل ذلك يقال عن اطراف هذه الغالبية كلهم، الذين تقاطروا اخيرا الى دمشق، بحكم العادة على الأرجح، وبحكم الرؤية القديمة للبنان "الذي لم يبلغ سنّ الرشد".
لكنّ المؤشرات تدل الى ان دمشق ستمضي في تقديم تنازلات، لتتمكن من استيعاب التطورات وحماية النظام. والتنازل الذي بادرت اليه في يوم "جمعة العز" كان الأول في الداخل. لكنّ تنازلات سبقته وستعقبه داخليا، وعلى صعيد الدور السوري في الدول التي "يهتم" السوريون بشؤونها الداخلية. وقد رصدت المصادر الديبلوماسية أبرزها:
1- أوقف السوريون هجومهم العنيف على السعودية، والذي أعقب اعلان وزير خارجيتها سعود الفيصل انسحاب بلاده من مفاوضات "س – س"، احتجاجا على الشروط السورية يومذاك. وهذا الهجوم تزامن مع تحذيرات رشحت في بعض الأوساط، من ان استقرار المملكة قيد التجربة.
فبعد اقتناع النظام في سوريا بأنّ اللعب باستقرار دول في المنطقة يمكن ان يؤدي الى اهتزام في الدول الأخرى، تراجع عن سياسته الهجومية. وهي كانت اساسا مبنية على تفاهم سوري – إيراني للضغط على المحور العربي المقابل. ثم وطدت دمشق تواصلها مع القيادة السعودية، وأبدت استعدادها للوقوف عند رغبات الرياض في ما يتعلق بمجمل الملفات التي تعني الطرفين. وهذا ما ترجمته زيارة الأمير عبد العزيز لدمشق قبل اسبوع.
2- استتباعا للموقف المعتدل من السعودية، ومحاولة لتدعيم الوضع السني داخل سوريا، تنازلت دمشق عن دعمها لحليفها الإيراني في ما يتعلق بالبحرين، وانحازت الى جانب دخول قوات مجلس التعاون الخليجي هذا البلد لمساعدة الملك وحكومته.
3- يتوقع المراقبون تخفيفا للضغط السوري في العراق، للتفرغ لمعالجة الوضع الداخلي، علما أن دمشق هي احد ابرز اللاعبين في الملف العراقي منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين. وهي حاولت اخيرا ان تضطلع بدور في قيام الحكومة الجديدة، وقبلت على مضض أن يتولى نوري المالكي رئاسة الحكومة مراعاة لإيران.
4- بدّلت دمشق من سياستها تجاه لبنان منذ اندلاع الثورات العربية. فهي عند تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة، قبل اكثر من شهرين، كانت تشارك "حزب الله" الضغط لتأليف حكومة من لون واحد، يعطيها رئيس الجمهورية والرئيس المكلف صبغة وسطية "للتغطية" فقط. لكنّها اليوم باتت مقتنعة بحكومة لا تستفز اي طرف، لأن الظرف لا يسمح باستفزاز "الخاصرة اللبنانية" التي يمكن ان يؤدي اشتعالها الى تضرُّر سوريا ايضا.
هذا الغطاء السوري لحكومة "غير استفزازية"، هو "كلمة السر" المعطاة لرئيس الجمهورية وميقاتي، والتي تمنحها هامش "التأنّي" في إعلان تشكيلة حكومية.
هذه المرة، لا تتحرك دمشق و"حزب الله" على موجة واحدة، كما اعتادا إجمالا. الطرفان متفقان على ضرورة ولادة الحكومة سريعا لتتمكن من تغطية الفراغ الداخلي اللبناني في اللحظة الإقليمية الحرجة، واقفال الباب امام اي رياح مصدرها لبنان. لكن دمشق تعتبر ان حكومة تحظى بقبول في الحد الأدنى من جميع الاطراف، يمكن ان تؤدّي هذه الغاية. أمّا "حزب الله" فيعتبر ان الضمانة هي حكومة صلبة لا غموض في انتماء اركانها الى الخط السياسي للمقاومة وسوريا. فهذه الحكومة يمكن ان توفّر الحماية للخاصرة السورية.
ومن هنا، دعوة الرئيس نبيه بري من خلال النائب علي حسن خليل، العائد من دمشق، الى حكومة "إنقاذ وطني". هذه الحكومة باتت مطلوبة اليوم، وفي حاجة اكثر مما كانت عند تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري العام 2009، لأن المرحلة تقتضي التضامن لاتخاذ قرارات حاسمة يتعلق بها مصير لبنان.
الكباش" سيزداد حدة بين اطراف الغالبية الجديدة، ولا سيما بين "حزب الله" من جهة، وحلفاء سوريا من جهة ثانية، والفريق الوسطي (سليمان – ميقاتي – جنبلاط). وسيدفع الضغط الداخلي في سوريا والعديد من الدول العربية الى سلوك سياسي جديد في الداخل اللبناني. وسيؤدي ذلك الى اتساع الهوّة في مقاربة ملفات المنطقة بين دمشق وطهران، على رغم حرص الطرفين على التحالف الاستراتيجي.
وسيفاجأ المتابعون بأجواء اكثر ليونة من جانب القوى المحسوبة على دمشق وقيادتها، كالنائب سليمان فرنجية والأحزاب الحليفة، ما يعطي الرئيس ميقاتي مزيدا من الهامش قبل اعلان حكومته.
هذه الوضعية لم يعتدها اللبنانيون في تاريخ تعاطيهم مع السوريين، منذ ان دخلوا لبنان عسكريا العام 1976. وما يهمّ دمشق في هذه المرحلة هو تمرير الاستحقاق الداخلي، اي حماية النظام. فماذا ينفع هذا النظام لو ربح العالم العربي كله وخسر نفسه؟
ودمشق اساسا كانت تخوض جولاتها السياسية والعسكرية في لبنان وسواه، بهدف الحفاظ على النظام. كما ان الدعم الذي تقدمه لـ"حزب الله" حتى تمكّن من بناء ترسانة عملاقة، كان دعما غير مباشر للنظام ايضا. فـ"الحزب" بادر يوم مبايعة الرئيس بشار الاسد الى تهنئته بوفد قيادي وشعبي رفيع وكبير، ضمن عرض لافت للقوة والولاء، معلنا الدعم المطلق له.
السوريون في لبنان يدعمون جميع حلفائهم، باستثناء "حزب الله" الذي دعموه بتسهيل وصوله الى ذروة القوة السياسية والعسكرية، لكنهم في المقابل ينتظرون منه الدعم في اللحظة المناسبة. وما من لحظة "أكثر مناسبة" من تلك التي يعيشها النظام اليوم.
الشائعات عن دخول "حزب الله" على خط المواجهات في درعا نفاها السوريون فورا. وفي الموازاة، جاء مثيرا الهبوط الإجباري في تركيا لطائرة ايرانية كانت في طريقها الى سوريا، تم الاعلان عن وجود حمولة من الأسلحة فيها. فبالتأكيد ليست هي الطائرة الأولى التي تعمل على خط طهران – دمشق، وربما لمصلحة بناء ترسانة "حزب الله". فكيف تلقى الاتراك معلومات عن وجود سلاح في هذه الطائرة، ما يدفعهم الى تعطيل مهمتها؟ ولماذا يتم ذلك في هذه اللحظة السياسية؟ وما التداعيات المحتملة؟
وتوعّد الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله باستهداف اسرائيل "إلى ما بعد بعد حيفا"، إذا ما حاولت استهداف المقاومة. لكنّ المدى الحقيقي لوهج الترسانة التي يحتفظ بها "حزب الله" تذهب ايضا في اتجاه الشرق الى "ما بعد بعد.. درعا"! لأنه لولا الغطاء الذي وفّره له السوريون على مدى عقود، سياسيا ولوجستيا، لما تمكّن من رفع شعاره المقاوم لإسرائيل. وهو اليوم يسأل عن مستقبل درعا وأخواتها، كما هو مهتم بشبعا التي يمكن ان يؤدي ترسيمها بين لبنان وسوريا، في لحظة، الى تغيرات جذرية في مصير "الحزب". حتى الرئيس نبيه بري أظهرت "وثائق الحزب" في "ويكيليكس" قوله: "إذا تحررت مزارع شبعا، فلا حاجة للمقاومة".
"التوقيت الصيفي" لدرعا يقدّم ساعة الشرق الأوسط، ويقدّم الساعة في لبنان خصوصا، أكثر من ساعة.