كتبت "الجمهورية":
عندما أعلن الرئيس السابق لجمعية المصارف فرانسوا باسيل، ان المصارف قد تحجم عن الاكتتاب بسندات الخزينة احتجاجا على استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وعدم الإيفاء بوعود إدخال إصلاحات جذرية على النظامين المالي والاقتصادي في البلد، ساد نوع من الترقب والحذر، ذلك ان المصارف هي الممول الرئيسي للخزينة، وأي قرار تتخذه في اتجاه وقف تقديم المزيد من القروض للدولة، قد يؤثر سلبا على مسار أوضاع القطاع العام والمالية العامة. فهل ان المصارف قادرة فعلا على تنفيذ مثل هذه الخطوة، والتي تلوح بها منذ سنوات، من دون أن تجرؤ على الإقدام عليها؟.
في لغة الأرقام والاقتصاد والمصالح، تبدو المصارف عاجزة عن تنفيذ أي من التهديدات التي تطلقها بين الحين والآخر، والأسباب كثيرة ليس أقلها ان المصير واحد، مهما حاولت المصارف الإيحاء عكس ذلك. صحيح ان المصارف تحاول منذ فترة تخفيف المخاطر المرتبطة بمخاطر الدولة، لكنها عمليا لم تنجح حتى الآن. ومن خلال إلقاء نظرة على أرقام قروض الدولة، سواء من خلال سندات الخزينة أو من خلال اليوروبوندز، يتبين بما لا يقبل النقاش ان الدولة والمصارف في مركب واحد، يستمران معا او يغرقان معا.
على سبيل المثال، يتبين من الأرقام الرسمية أن حصة المصارف من مجموع سندات الخزينة بالليرة بلغت في العام 2010 نحو 58 في المئة، أي ما يوازي 26739 مليار ليرة (نحو 20 مليار دولار). هذا الرقم تراجع قليلا عمّا كان عليه في العام 2009 حين بلغ 27181، لكنه تراجع طفيف لا يمكن الاعتداد به للقول إن المصارف تتجه نحو التحرّر من ارتباطها بالدين العام.
في المقابل، فإن حصة المصارف من ديون الدولة بالعملات الأجنبية لا تقل عن حصتها في الدين بالليرة، إذ تحمل المصارف نحو 65.4 في المئة من سندات اليوروبوندز، أي ما يوازي 11653 مليون دولار. هذه الأرقام تعني أن حجم قروض المصارف إلى الدولة تقارب الـ 31 مليار دولار، بما يؤكد ان المصارف عاجزة عن الاستمرار إذا أصيبت الدولة في حالة عجز عن تسديد الديون.
أضف إلى ذلك أن إقراض الدولة لا يزال الأسلوب الأنجع في زيادة أرباح المصارف، على رغم ان هامش الربح تراجع نسبيا عمّا كان عليه في سنوات سابقة، حين نجحت المصارف في تحقيق أرباح خيالية بفضل الفارق بين فوائد القروض للقطاع الخاص، والفوائد التي كانت تجنيها المصارف لقاء إقراض الدولة.كذلك، فإن محاولات المصارف التوسع في الخارج، لتخفيف نسبة اعتمادها على السوق المحلي، يمكن أن تُصاب بنكسة هذا العام جراء الاضطرابات التي تشهدها دول المنطقة. وكانت المصارف قد حققت قفزات نوعية في مجال التوسع، وفرضت نجاحات جيدة في الدول التي خرجت إليها. وتشير الإحصاءات إلى ان 16 مصرفا لبنانيا باتت منتشرة في 31 بلدا في العالم، منها 12 بلدا عربيا. لكن المفارقة في هذا التوسّع انه ركز على دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن سوء طالع المصارف اللبنانية ان قسما كبيرا من دول هذه المناطق تحوّل إلى مرتع لاضطرابات انعكست سلبا على الحركة المالية، ومن غير الواضح بعد ما هو سقف هذه الاضطرابات وحجم انعكاسها في الأشهر المقبلة على الوضع الاقتصادي بشكل عام.
من سوء طالع المصارف ان الدول التي ركزت عليها بشكل خاص، ومارست فيها الصيرفة الشاملة هي سوريا والأردن ومصر. هذه الدول تعرضت، ولا تزال، لهزّات، وليس من الواضح إلى اين قد تتجه الأوضاع المالية في هذه الدول في المستقبل المنظور. وبالتالي، قد يكون على المصارف ان تحتسب لاحتمالات أسوأ، تطال أعمالها في هذه البلدان. وفي الفترة الأخيرة عمدت بعض المصارف الكبيرة الى توسيع أعمالها بشكل لافت في سوريا. على سبيل المثال فإن بنك عوده – سوريا توسّع بفعالية في كل المدن السورية، وبات يملك 21 فرعا من ضمنها 11 فرعا في دمشق، وفرع في درعا حيث اندلعت شرارة الاضطرابات. كذلك فإن بنك لبنان والمهجر الذي يساهم بـ 39 في المئة من مصرف بنك سوريا والمهجر توسّع ليضم 20 فرعا، من ضمنها أيضا فرع في درعا. أما بنك بيبلوس فبات يملك 9 فروع موزعة على المدن السورية.
هذه الحقائق لا تعني، في أي حال من الأحوال، ان المصارف في أزمة، بل العكس صحيح لأن هذا القطاع اثبت نجاحات باهرة، وهو يواصل مسيرة النمو. لكن ما يجري في المنطقة، بالإضافة إلى قطوع البنك اللبناني الكندي الذي ترك بعض الجروحات على جسد القطاع، كل ذلك من شأنه أن يُبطئ انطلاقة المصارف ويجعلها أكثر تعلقا بمصير الدولة اللبنانية. وهذا ما يؤكد استمرار تلازم المسار والمصير بين الطرفين.