لم يأت تفجير الكنيسة في زحلة، إلا ليتمم العملية المشبوهة الخاصة بخطف الأستونيين السبعة.. وقبل التحقيق الرسمي ومشتقاته ونتائجه، تبقى القراءة الأولى وليدة حس فطري من الصعب كثيراً أن يُخطئ. كأن الناس اعتادت البديهة، وصارت أحكامها القاطعة أسرع وأدق (وأكثر براءة) من أحكام المختصّين والمعنيين وأهل الدولة ومؤسساتها!
وفي تلك القراءة البديهية، ان اللعب بالأمن في تلك المنطقة البقاعية تحديداً، جاء ليترادف مع كلام عن "بواخر أسلحة" خرجت من طرابلس؟! وعلامات أخرى تربط بعض القوى المحلية اللبنانية، السيادية والاستقلالية بما يجري في جوارنا!
لا نقاش في "فصاحة" بلاغ تلك الادعاءات ولا في براءتها التامة من الصدقية. كما لا نقاش في "حقّ" المدافع عن كيانه ووجوده في أن يستخدم ما توفر أمامه من أسلحة لرد الهجمة عليه! لكن النقاش هو في آلية ترجمة تلك الادعاءات والاتهامات الخطيرة. وفي الايحاء المزدوج بأن الساحة اللبنانية متوفرة للاستخدام الدائم. من جهة لاشاعة غبار ناري فرعي يغطي على الحدث الأصلي في أرضه. ومن جهة ثانية لإبلاغ من "يعنيهم الأمر" أو يهمهم محلياً وإقليمياً ودولياً، بأن المدار الخارجي يوازي المدار الداخلي. الاستقرار هنا يعني الابقاء على الستاتيكو هناك. والهزّة هنا تعني زلزالاً هناك.
وفي آلية تلك الترجمة النارية، تبقى الجغرافية اللبنانية في مقدم الحسابات كالعادة، ويطل "المثال العراقي" بخفر حتى اللحظة: سقوط يتمم بعضه. ولعبة الإرهاب أُم الألعاب. أما الساحات الأخرى، وفي مقدمها الجغرافية الفلسطينية عموماً وغزة خصوصاً فدونها مطبّات كبيرات، أهمها احتمال توسع نطاق أي هزّة مطلوبة، صغيرة ومحدودة، الى مواجهة كبيرة قد تطيح في نهايتها ما يُراد الحفاظ عليه!
غريب ذلك الربط المحكم بين لبنان وجواره. ربط ظالم للبلد وأهله. لا يأخذ منفذوه في اعتبارهم أي حدود فيه، تفرض مصالحهم ودواعي "دفاعاتهم" الوصول إليها أو تسويتها بالارض: يُخطف سيّاح أجانب، أو تدمّر كنيسة، أو تطلق اتهامات مفترية من أولها الى آخرها، أو يتزعزع كيان الدولة ومصالح أهلها وأبنائها بالجملة في أكثر من نطاق من الخليج العربي الى المحيط الدولي.. كل ذلك ليس إلا عيّنة من تلك الحدود المسفوكة والمشلّعة القابلة للتحطيم وللقفز فوقها كلما عنّ على القافز ذلك! فكيف الحال الآن؟!
في ذلك الواقع كلام لم يحن وقته بعد.. لكن للكنيسة الزحلية عزاء اقتراب اللبنانيين بكل تلاوينهم، من جرحها واعتبار استهدافها طعناً لسلامهم وأمنهم واستقرارهم.. وللأستونيين السبعة عزاء "مساواتهم" مع أهل لبنان طالما انهم أساساً ارتضوا المغامرة في جغرافيته! وللمستهدفين بالاتهامات والافتراءات عزاء "الاستمرار"! إذ ليست تلك أولى، ولن تكون أخيرة. ولن تقدّم أو تؤخّر في واقع الحال شيئاً.. ذلك الواقع الذي يقول إن الافتراء ظلم لا يدوم!