#adsense

البطريرك الدائم والبطريرك الواعد وثمار الروح

حجم الخط

في حين يتشبث الزعماء العرب بمناصبهم، ختم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير يوبيله الفضي في السدة البطريركية معلنا استقالته، وهو في عز توقده الذهني والروحي ليدخل التاريخ وهو على قيد الحياة. وليست المرة الاولى التي يدخل فيها صلب التاريخ اللبناني بمواقفه منذ غرق لبنان بمآسيه المتتالية امتزجت بدماء الشهداء والاحياء.

عشية الصوم الكبير، وفي ختام ذكرى الـ1600 لمار مارون، عرف البطريرك كيف يرمز رحيله ليطوي صفحات من النضال الروحي والوطني مستنزفا النعمة التي اعطيت له بتأدية واجبه الوطني والديني والانساني مدة 75 عاما. ومن يعطي هذا المجد وهذه الاستمرارية سوى الخالق؟ ففي الكتاب المقدس العهد القديم يذكر سفر المزامير 103، 5 "الذي يشبع بالخير عمرك، فيتجدد مثل النسر شبابك"، فان الله يعطي الشباب والنضارة لمن يختاره وقد انعم عليه بنعمه الوفيرة.

اسباب عديدة تدعو المتابع للتوقف عند تجربة البطريرك صفير، فهو لا يهاون في مواقفه. حكيم، يفضل الايجاز على الاسترسال. متوقد الذهن رغم سنواته التسعين. منفتح وفضولي وعصري. ديناميكي وسريع البديهة. بهي الطلعة والطلة رغم تراكم السنوات. رياضي يحترم الحياة وعطاء الله، مبتسم حتى في اصعب الاوقات، متعدد اللغات والثقافات، صلب كأرزة من ارزات لبنان.

عندما نصب بطريركا عام 1986، لم يتسن لي متابعة الحدث، كما حصل بالامس القريب لدى تنصيب البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي. ففي تلك السنة كنت اغادر لبنان الى ديار اخرى بحثا عن الامان، لكني هذه المرة تابعت كغيري من اللبنانيين عبر شاشة التلفاز التي تربطني بلبنان الاحتفال التكريمي باليوبيل الفضي لارتقائه السدة البطريركية لرسالته الاسقفية واستمعت جيدا الى كلمة المطران رولان ابو جودة حين قال: "… البطريرك يقبل الآخر، يحاور الجميع، رغبة منه في ابقاء الوطن لجميع ابنائه، لا تسمع كلمة منه الا وفيها القرار الحر والحرية. غبطة البطريرك لم يعط مجد لبنان فقط، بل حمل صليبه، امضى 90 عاما في خدمة الانسان 50 سنة في الاسقفية و25 سنة في السدة البطريركية…".

لا شك في ان البطريرك صفير اراد ان يكون رسولا للسلام في بلده، خلال ربع قرن، وفي زمن انقسم فيه ابناء الطائفة الى قسمين، وتبعثرت الاوراق اللبنانية مرارا. مواقفه، اقواله ونظرته الى لبنان الحر السيد رسخت موقعه ليصبح بطريرك الاستقلال. هل ادرك ان خطه راسخ في وجه الكثير من اللبنانيين الذين سيحملون شعلته وافكاره ونظرته الى الوطن؟ وانه من الافضل ان ينسحب وهو بكل قواه وتوقده، لانه مطمئن ان خطه يسري في دماء الكثيرين من ابناء شعبه؟ اسئلة تبقى في البال كالتكهنات التي رافقت هذه الاستقالة التي مهما قيل فيها تبقى في عهدة صاحب الغبطة الذي حمل لبنان وقضية الموارنة والحرية الى المهاجر.

التقيته ثلاث مرات في باريس، المرة الاولى عام 2001 في نادي الصحافة العربية الذي انتمى الى عضويته في مبنى اذاعة فرنسا، والثانية في فندق لوتيسيا الباريسي خلال مؤتمر صحافي ايضا، ومرة ثالثة في الاردن لمناسبة زيارة قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر للاراضي المقدسة. ورغم انشغالاته والمواعيد المترتبة عليه استقبلني في دير "مار شربل" الساكن في منطقة نائية على طريق المطار. فسجلت معه لقاء اذاعيا عن زيارة البابا ومعانيها، وبالطبع تطرقنا الى وضع المسيحيين في لبنان والشرق. فكان البطريرك اكثر شبابا من الشباب، قادرا على متابعة الرحلة البابوية واعطاء المقابلات ومواكبة الاحداث، بينما كنا نحن نلهث من المواعيد المتلاحقة. ويصح فيه ما جاء في سفر اشعيا 40 آيات 30 – 31 حين يذكر: "الغلمان يعيون ويتعبون والفتيان يتعثرون تعثرا. واما منتظرو الرب فيجددون قوة يرفعون اجنحة كالنسور يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون".

لا شك في ان غبطته عرف بالثبات والتواضع وبنعم اخرى وهي ثمار الروح القدس، الذي هو من الله، وهو حقا معطي المواهب. فقد حباه بعطاياه وأمدّه بالحكمة والصبر. وقد جاء في الانجيل المقدس في العهد الجديد(1) "واما ثمر الروح فهو: محبة فرح سلام، طول اناة لطف صلاح، ايمان وداعة تعفف". البطريرك الجديد بشارة الراعي بعد الانتخاب اشار الى انه الروح نفسه هو الذي اسهم في انتخابه قائلا: "انه الروح القدس". ومن المعروف ان المسيحيين يؤمنون بدور الروح القدس في الالهام وفي الافعال. وفي الاوقات الحاسمة يلجأ المؤمنون الى مشورته ونصحه. لان "الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح" كما جاء في رسالة بولس الرسول(2)، مما يعني ان الايمان بدور السيد المسيح وافعاله واقوال الرسل وتعاليمهم يشكل تلك القاعدة الصلبة التي يستلهم منها الرجلان القوة والاستمرارية كاسلافهما البطاركة الذين تعاقبوا على ارض بلاد الارز.

بالامس وضع البطريرك الدائم يده على رأس الراعي الجديد البطريرك الواعد مار بشارة الراعي، وسلمه مفاتيح البطريركية واسرارها، وهي المرتكزة على تاريخ من الصمود ومواجهة الباطل ومناصرة الحق.
في المناسبة سألت احدهم في باريس وهو ليس من الطائفة المارونية عن رأيه في شخصية البطريرك صفير قال: "انه يذكرني بالبابا يوحنا بولس الثاني الذي كسر حواجز الخوف واسهم في تغيير العالم". والبطريرك "الخليفة" السابع والسبعون مدرك ان المهمة التي تنتظره تاريخية. فنسأل الله ان ينجح حامل الشعلة الجديدة ومعها آماني ابناء الوطن في تبديل واقع لبنان المتألم والمتعطش للاستقرار المبني على السلام الحقيقي و"الشركة والمحبة".
(باريس)

(1) – غلاطية 22:5 – 23.
(2) – تيموثاوس الثاني الاصلاح الاول: 7.

المصدر:
النهار

خبر عاجل