بصرف النظر عن ملاحظات كثيرة سجلناها على وزير الداخلية الدكتور زياد بارود في هذا الهامش، خصوصاً تلك التي اختلفنا فيها معه جدياً في أسلوب تعاطيه مع مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي وما يستحقّه هذا الرّجل من تكريم كبير يليق بكل الإنجازات الأمنيّة التي حقّقها للبنان في حفظ أمنه وكشف شبكات التجسس الإسرائيليّة التي تعيث اختراقاً فيه، إلا أننا لم نكن يوماً لنجافي الحقّ في حفظ ما لوزير الداخليّة من فضائل أدائه طوال الفترة التي أمضاها في وزارته والتي استعادت معه جدارة اسم «وزارة»…
ولسنا مع إسناد وزارة الداخلية للوزير زياد بارود نكاية بميشال عون لا يريد عودته إلى الداخليّة لأحقاد ومخاوف وهواجس نفسانية شخصانية فهذا يقلل من قدر وقيمة وكفاءة الرجل، فقد كنّا من أشدّ نقّاد الوزير بادود حدّة لتعاطيه بقفازات ناعمة مع ميشال عون ومراعاة خاطره وعدم الردّ عليه أو الانجرار لسجال معه، على رغم الهجمات العنيفة التي تعرّض لها من «الدربكتجيّة العونية» مراراً، ولكن لهذه الأسباب التي نوردها نحن مع عودة زياد بارود إلى وزارة الداخليّة، هو الذي تشكلت علاقة مختلفة بينه وبين الشعب اللبناني، على الرّغم من كلّ الملاحظات زياد بارود موضع ثقة لدى هذا الشعب، وإن تجاهل ميشال عون الأمر فلأنه لا يرى إلا جبران باسيل في كلّ هذا الوجود الكوني الإنساني!!
بالأمس نفى ميشال عون «وجود مشكلة في توزير الوزير زياد بارود ولكن ليس في الداخلية، فالأداء ليس بالجيد بسبب الخلفية التي يمثلها»!! فما هي الخلفيّة التي يمثّلها زياد بارود؟ سيسارع كثير من المحللين إلى اعتبار أن فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان هو الخلفيّة المستهدفة، وهذا صحيح… والصحيح أيضاً أنّ مجموعة من القيم السياسيّة دخلت مع زياد بارود إلى النادي السياسي الحكومي هي أيضاً تشكّل الخلفيّة المستهدفة…
يمثّل زياد بارود بالنسبة لكثيرين من الشباب اللبناني الطموح والاجتهاد والكفاءة والعمل الدؤوب من ضمن المجتمع المدني هذه كلها تجمّعت في وقوع اختيار رئيس البلاد على بارود ليكون على رأس وزارة الداخليّة…
وزياد بارود ليس مجرد ابن رئيس حكومة سابق بلا تجربة يكارمه حزب ما فيعاند من أجل توزيره كتعويض وترضية لأبيه عن استخدامه من حين لآخر «كارت محروق»!!
وزياد بارود ليس ابن العائلة السياسيّة الفلانيّة التي يتوارث أبناؤها النيابة والوزارة أباً عن جد، كأن البلاد انقطع فيها نسل الشباب والكفاءات التي تستحقّ أن تشكل طبقة سياسيّة بعيداً عن الاهتراء العائلي من كثرة الوراثة، حتى في الزواج تنتج أجيال معطوبة من كثرة التزاوج في سليلة واحدة، ولبنان فيه شباب كثر ورجالات لها وزنها في العلم والقضاء والسياسة ونظافة الكفّ وعليهم يعوّل اللبنانيّون في تجديد الدم اللبناني.
وزياد بارود ليس «صهر» وهذه واحدة من فضائله التي لا تعد ولا تحصى، بعدما «انطفى» قلب اللبنانيين من جمهورية الأب والابن والصهر، أمّا الصهر مع الياس المر فكان تجربة تستحقّ التقدير، لأنّ الشجاع الياس المر رجل يستحق كلّ الاحترام والتقدير في الوزارات التي شغلها والتي جعلته مستهدفاً في حياته الإنسانيّة والسياسيّة، ولكن مع دخولنا تجربة الصهر الذي «يقصف العمر» والتي عايشها اللبنانيون مع ميشال عون، باتت فضيلة أن لا يكون الوزير صهراً، خصوصاً إذا كان على طريقة ميشال عون في استيزار صهره بالعنف والإكراه رغم إثباته في تجربتين متتاليتين فشله المريع الذريع، حتى قرف اللبنانيون من ثنائية «الصهر والعم» التي لم تجلب عليهم إلا الهمّ والغمّ وهزّ البدن والسمّ!!
زياد بارود لم يأتِ بالوراثة، ولم يأتِ بالواسطة، وهو يمثّل المجتمع المدني، وفوق كلّ هذا يمثّل زياد بارود قيمة الوفاء والإخلاص وعدم «عضّ اليد» التي وثقت بكفاءته فدعمت وصوله إلى الوزارة، ويمثّل قيمة عدم الخيانة وقلّة الوفاء والطعن بالظهر التي عايشها اللبنانيّون مع وزير خديعة وديعة لحظة استقالة الثلث «المعفّن» من حكومة سعد الحريري، فكان زياد بارود شهماً ووفياً وأهلاً لثقة الرئيس ميشال سليمان وللبنانيين أيضاً .
أما وزارة الداخليّة، وما أدراك ما وزارة الداخليّة، فالجنرال يريدها لصهره تحسباً لانتخابات العام 2013 لأن بساط الريح ومارد فانوس علاء الدين وهاري بوتر لن يكون بمقدورهم إن اجتمعوا لصناعة سحر ينجحه في الانتخابات المقبلة بـ»أبراكدبرا» جماعية زهايمرية فسيفشلون في ذلك، وهو ربما يظنّ أنّ «عيون صهر الجنرال» قادرة على فعل ذلك؟! الشعب يريد زياد بارود في وزارة الداخليّة لأنّ نزاهته وحياديّته في الانتخابات مجرّبة وهي موضع ثقة.
بالأمس أكّد ميشال عون: «ان الشيء المفقود عند المسيحيين سيعود اليهم»!! تساءلت طويلاً ما هو هذا الشيء المفقود، وعجزت وظننت أنني «كعيت» عن حلّ حزورة الجنرال لأنني لست من المسيحيين، وبعد طول تفكير كشف الله عن بصيرتي فأدركت أن الحزورة معكوسة وهي بهذا الشكل: «شيء موجود عند المسيحيين يجب أن يفقدوه» حتى يرتاحوا ويستقرّ بهم الحال وتنكشف عنهم هذه الغمّة التي أمعنت فيهم تهجيراً وتمزيقاً وتكاد تقضي على البقيّة الباقية منهم في لبنان، أراحهم الله وأراحنا من هذه الحزازير!!