كتبت منال شعيا في "النهار": معادلة لبنانية مئة في المئة تقول: "لا توقظ سجينا نائما فربما كان يحلم بحريته". هكذا هي حال السجناء اللبنانيين الذين حرروا من السجون السورية ولا يزالون يحلمون بما هو حق لهم، أي بتعويضات لا تعوّض أعوام سجنهم وقهر عائلاتهم وتحدّيهم للتأقلم مع مجتمع، ربما لم يعرف قيمة تضحياتهم.
والمفارقة ان هذا الحق تجلّى في تقديم اقتراح قانون قبل عامين، وباقتراح قانون آخر معجل – مكرّر، يعطي هؤلاء حقوقهم اسوة بمن تحرر من السجون الاسرائيلية، وكانت النتيجة أن "القانون لا يزال في الدرج".
كثيرة هي القوانين – المجمدّة في الادراج، ما دامت كل السلطات في دوامة الانتظار. "النهار" ترصد هذه القوانين، ولا سيما منها تلك التي تطاول اللبنانيين في همومهم ومعيشتهم. لذا كانت الاضاءة الاولى على قانون منسي منذ عامين، وتحديدا منذ 31 تموز 2008.
هكذا بدأت القصة "تشريعيا" مذذاك، حين قدمت كتلة " القوات اللبنانية" الى مجلس النواب اقتراح قانون لاعطاء المعتقلين اللبنانيين المحررين من السجون السورية تعويضات او معاشات تقاعد. كذلك، قدّم عضو "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ابرهيم كنعان اقتراح قانون معجلا مكررا بمادة واحدة، للغاية ذاتها.
في المادة الاولى من اقتراح "القوات" تعريف دقيق بأن "المعتقل المحرر هو اللبناني الذي اعتقل لاسباب سياسية"، ثم مطالبة واضحة "بإعطاء المعتقل المحرر الذي قضى في الاعتقال أقل من سنة واحدة، تعويضا مقطوعا مقداره مليونان وخمسمئة الف ليرة لبنانية، اما المعتقل المحرر الذي قضى في الاعتقال فترة ترواح بين سنة وثلاث سنوات، فيعطى تعويضا مقطوعا مقداره خمسة ملايين ليرة لبنانية عن كل سنة سجنا".
وفي اقتراح كنعان مادة واحدة تفي بالغرض: "ضرورة المساواة بين الاسرى المحررين من السجون السورية والاسرائيلية".
ولأن المحررين لا يزالون يعانون مع أسرهم تبعات الاعتقال ماديا ونفسيا وجسديا، فان نتائج الاعتقال لا تزال مستمرة، على الرغم من تحرّرهم. والغريب ان الدولة، بدل الوقوف الى جانب مواطنيها، لا تزال تهمل هذا الملف، سواء على مستوى الاسرى المحررين او على مستوى الذين لا يزالون قيد الاعتقال، على الرغم من المواقف التي تصمّ آذان اللبنانيين، تبعا للاصطفاف السياسي لمطلقيها، فإما أن ترى ان "صفحة جديدة فتحت مع سوريا"، واما أن تطالب "ببناء علاقة ندية مع الشقيقة ورفض العودة الى زمن الوصاية"، الا ان الموقفين بقيا مجرد كلام بكلام على الضفتين السياسيتين المتقابلتين.
على من تقرأ مزاميرك؟
قد يكون اللبنانيون ينتظرون تأليف الحكومة، وقد يكون بعضهم الآخر يرصدون "التحركات العربية الاحتجاجية"، وربما قلة، باستثناء الجمعيات المعنية، لا تزال تذكر ان ثمة معتقلين في السجون السورية، وان ثمة محررين يواجهون كل يوم صعوبة الحياة. ومهما تكن الظروف والمبررات، فان مواضيع حقوق الانسان لا تنسى، هذا اذا كانت الدولة واقعا لا افتراضا.
يروي جوزف هليط، وهو من المحررين من السجون السورية، ان "لا شيء جديداً في موضوع الاسرى المحررين هو يكشف ان "المتابعة يومية لهذا الموضوع، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟".
هليط تابع مسار تقديم اقتراح القانون الى المجلس، ويلفت الى ان "الحسابات السياسية اوقفته، وربما لم تمرره، على الرغم من ادعاء الجميع ان القانون سيمر في اول جلسة تشريعية".
ولا يخفي ان "المنافسة السياسية أدت دورا في تقديم اقتراح القانون، انما ما يهمنا هو النتيجة، ويا للاسف النتيجة لا شيء. لقد سبق أن اعتقدنا ان طرفا مسيحيا معيّنا قد يجلب لنا اصواتا سنّية في امرار الاقتراح، وان الطرف المسيحي الآخر، قد يجيّر لنا أصواتا شيعية، لكن اعتقادنا لم يصب، في رأينا ان مجتمعنا المسيحي تافه، ونحن لا نزال ندفع الثمن".
لا يستثني هليط احدا من الخطأ او الاهمال او اللامبالاة في هذه القضية المتراكمة، ويكشف انه عقد لقاء مع الرئيس سعد الحريري بعيد الانتهاء من الاستشارات النيابية في زمن تأليف حكومته. يومها قال الحريري إن "هذه القضية باتت عندي"، واعدا بإمرار الاقتراح. والواقع، ان مجرد وضع الاقتراح في جدول أعمال جلسة تشريعية واحدة لم يتحقق!
عام 2000، "تحرّر" هليط، بعد ثمانية اعوام وشهر وخمسة ايام. خرج الى المجتمع ليصطدم "بواقع سوداوي"، ظنّ انه لن يراه بعد السجن السوري. لكن الحقيقة كانت مرّة.
ومنذ خروجه من السجن، نشط مع مجموعة من الشباب الاسرى المحررين، ولم يترك بابا الا وطرقه. وكثيرة هي الروايات التي يعدّدها عن محررين "يذوقون الامرّين" كل يوم. بعضهم لم يتمكن من دفع مبلغ عشرين الف ليرة فقط، والآخر عجز عن شراء دواء، وكثر يعيشون من قلة الموت.
هذه ليست مبالغة انما وصف لواقع مرّ لا يزال بعيدا عن السياسيين، لذا لا ينتظر هليط اي جديد من الحكام، ولا من الحكومة المرتقبة. يقول: "القرار أكبر". في المقابل، يأمل من البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي ان يدفع الامور في اتجاه معيّن، ومن المتوقع ان يزوره قريبا مع مجموعة من المحررين، لعرض "المشكلة المزمنة".
يدرك جيدا ان كثرا يزايدون في هذه المسألة من دون نتيجة ملموسة، يقول: "نحن في الاساس لا نريد ان نشحذ حقنا. لا نريد مساعدات من هنا وهناك، نريد ما هو حق لنا، ويفترض ان يكون مكرّسا بقانون".
عام 2000، خرج بعض من في سوريا، وكانت احلام هؤلاء ترسم مجتمعا عادلا او اقّله يقابلهم بحسب تضحياتهم، الا ان البعض نبذهم. كان ذلك، قبل 2005. أما بعد 26 نيسان، تاريخ خروج الجيس السوري من لبنان، تبدلت الصورة السياسية وخلطت اوراق التحالفات، فيما بقيت صورة الاجحاف بالمعتقلين والمحررين هي نفسها.
اليوم، لا أمل عند هليط بـ"هذا النظام". "بعد الافراج، تركونا كما لو اننا لسنا لبنانيين، لا معالجة نفسية للتأقلم مع مجتمعنا، ولا مساعدات، حتى المعونة الطبية بقيت افرادية، وخجولة". وحين تسأله هل يتغير الوضع مع حكومة جديدة، او مع انشاء وزارة متخصصة تعنى بهذا الملف؟ يجيب: " الذي جرّب المجرّب كان عقله مخربا. الامور البديهية غير متوافرة في وطننا العظيم، فكيف عن المسائل المتصلة بحقوق الانسان؟ هم ينظرون اليها كما لو انها من الكماليات".
لا يختار هليط كلماته حين يقول: "رئيس الجمهورية مش طالع بإيدو في هذا الموضوع، ومجتمعنا المسيحي مشرذم، وعلى الرغم من ان غالبية المعتقلين في السجون السورية من المسلمين، فان هذا المشروع يأخذ الصبغة المسيحية، والحل مؤجل الى اجلّ غير مسمّى".
واذا كان الاسرى المحررون ضاعت حقوقهم، فان في السجون معتقلين منسيين، ضاعوا بدورهم بين الحسابات السياسية وعجز طبقة حاكمة عن الاستماع الى حزنهم. ولهؤلاء قصة أخرى!