
مجد لبنان أعطي له، من أقدم العصور أعطي له، وما أعطاه الله لا ينزعه إنسان. ودّع الشعب اللبناني بطريركاً تعجز الكلمات عن وصفه، كردينالاً تحمّل مصاعب الحرب المدمّرة ومآسي الشعب المتألم من السلاح. دافع بكل الطرق عن الأرض وكرامة الإنسان وحضن كل مواطن أراد الإحتماء بالصرح البطريركي بسبب القمع الذي كان يمارس حينها على الشعب والوطن وغياب الحق والعدالة وسيادة الدولة.
إنتشرت أعماله في العالم، من إصلاحات وتجديدات كان لها الأثر العظيم في العقول والنفوس حيث كان العين الساهرة من بكركي على كل هموم الوطن. عرف بمدى قدسيته لللّه ولكنيسته ورغبته المستمرة بنشر كلام الله وتعاليم الكنيسة إحلالاً لروح المحبة والإيمان في قلوب اللبنانيين وحبه الكبير لوطنه لبنان حاملاً صليب هذا الوطن الذي نزف على مذبح الشهادة طوال رسالته ليحمي المسيحيين جميعاً وقد إتخذ مواقف في أحلك الظروف. وأعلن عن موقفه الوطني بجرأة رغم الهجمات المعادية متناسين أنّ غبطة البطريرك لا يعرف معنى التفرقة ولا الأذيّة ولا يضع في قلبه إلاّ كل المحبة والتقدير لشعبه الذي عمل ولا يزال لإيصاله إلى بر الأمان. هذا ما دفع بعضهم لتقديم الإعتذار رغم أنّهم تأخروا كثيراً كي يستيقظوا من غيبوبتهم الطويلة ومعرفتهم أنّهم تعرضوا لرمز من رموز التقوى والإيمان وبمقام لا يجرؤ أحد على تدنيسه. ومع هذا الوداع لك منا الإنحناء والشكر والتقدير لكل ما قدمته لنا وللوطن العزيز منذ أكثر من ربع قرن، ستبقى في قلوبنا يا سيدنا، ستبقى في الذاكرة والوجدان والضمير، لك منا كل الوفاء والشكران ولن ننسى صوتك الذي لا يخشى قول كلمة الحق أساسها الحرص على اللبنانيين ووحدتهم.
لقد إنتقلت الشعلة من غبطة البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير إلى غبطة البطريرك راعي الكنيسة ولبنان والشباب. إنها بشرى سارة للبنانيين الذين زرفت أعينهم دموع الفرح لدى تكليف غبطة البطريرك بشارة الراعي بطريركاً جديداً على إنطاكية وسائر المشرق، ليصبح إسمه مكتوباً في قلب الكنيسة المارونيّة.
صاحب الغبطة، صاحب المواقف الجريئة والوطنيّة، يحمل في شخصيته مواصفات الرجل الراعي للمسيحيين ومرجعاً عظيماً لهم وموقفه الذي أطلقه منذ بداية بشارته من بكركي حيث إستطاع أن يجمع المسيحيين في صفوف موحدة ليعزز الدور المسيحي في لبنان بإطلاقه شعار خدمته البطريركيّة "الشركة والمحبّة"، ومعلناً أنّ " الشباب هم المستقبل". هو المدافع وبقوّة عن دور البطريركيّة المارونيّة وفاءً لمبادئه التبشيريّة مع نشر تعاليم الكنيسة وفعل الإيمان ومن المعروف عنه أنّه ركن أساسي في الدفاع عن الخط المسيحي الكنسي وتثبته بالثوابت الوطنيّة بأفكاره الإصلاحيّة الموجّهة إلى نبض المجتمع اللبناني لا سيما الشبابي منها وبجرأته وقوة حضوره ومواقفه الواضحة والصريحة والتي لا يتراجع عنها حتى تحقيقها لأنه لا يعرف معنى الخوف والإنكسار.
نعم، إنّ الوطن قد ملّ من كل رموز السلطة ويريد التجديد بأفكارٍ شبابيّة وجديدة تأتي للبنان بالإستقرار وراحة البال. مجد لبنان أعطي لسيد بكركي راعي الكنيسة والمسيحيين في لبنان وسائر المشرق. ونعم، لقد إنتقلت الأمانة من أياد قديسة إلى أيادٍ أمينة على هذه القداسة ما يجعل من الصرح البكركي مقام غير قابل التطاول عليه.
بقلم كارول تنوري