#adsense

“السلطة- مانيا”

حجم الخط

السلطة، تلك الفاتنة، أغوت الكثيرين على مرّ التاريخ، سواء من كانوا يسعون لها بحدّ ذاتها أم يرمون لها من أجل منافعها المادية، وسواء أكانوا عرباً أم من قوميات أخرى. وهذه المسألة موغلة في عمق التاريخ وفي جميع الحضارات، ولنا في التاريخ العربي شواهد تاريخية كثيرة تشير إلى أن للعرب ميلا خاصاً للسلطة.

إذن، الحب المرضيّ للسلطة، سمة قديمة، لكنها للأسف بالنسبة للعرب سمة قديمة ما تزال تجدد نفسها حتى اليوم إلى حدّ يمكن ان نطلق عليها تسمية "المرض القوميّ العربيّ". ولهذا الشغف المرضيّ بالسلطة بُعدُه السايكولوجي المهم، فدعونا نخوض فيه علّنا نكتشف وجود هكذا أشخاص في مجتمعنا سعياً لتحديد خطوات العلاج، ومجنبين الوطن شرّ أفعالهم وهوسهم منطلقين طبعاً من أدبيات علم النفس السياسي.

الحاكم المهووس بالسلطة هو رجل مريض ويعاني من عقدة النقص (inferiority complex) ، وهو شخص متمركز حول ذاته أي بمعنى أنه يتصوّر نفسه محور العالم، الآخرين يدورون في فلكه وعليهم تقديم التنازلات له. لا يتقبّل الآخر ولا وجهات نظره البتّة، يميل إلى الهيمنة على الآخرين ليعوّض نقصه. ركّز عالم النفس ألفرد أدلر على أهمية دافع السيطرة و القوة في تحديد مسارات الشخصية وقال:"إن عقدة النقص هي من أهم الأسباب للأمراض النفسية وهي السبب وراء الرغبات الغير السويّة المنبعثة بتأثير الخوف اللاشعوري من الدونيّة" أي الخوف الباطني من رؤية الغير أفضل منه. ويمكننا أن نضيف بأن الشخص المهووس يتميّز بالتعصب(prejudice) أي التحيّز ضدّ بعض الناس أو الآراء أو الأفكار وهذا التعصب يأخذ قالب الجمود أو التطرف ضدّ معتقدات الآخر أو مواقفه. ولهذا ان مفهوم الذات self concept لدى هذا السياسي مرهونة بصورة البطل التي تبناها وحاول محاكاتها عبر مختلف مراحل تاريخ حياته.

وبناءً على ما تقدّم نشير الى أن السبب في الحب المرضيّ للسلطة هو الشعور بالنقص والتمركّز حول الذات. كما يمكن التنبؤ بأن صراعات الطفولة كعقدة أوديب غالباً ما تظهر في حياة الفرد ( الحاكم) بعد ذلك في صورة الكراهية المكبوتة لكل سلطة يكون بعيد عنها. ويكتب عالم النفس اريك فروم في حب السلطة: "ان الافراد غالباً ما لا يكونون على وعي بما هم مكرسون من أجله، وغالباً ما لا يستطيعون أن يميّزوا بين عقيدتهم الرسمية وعقيدتهم الحقيقية… فمثلاً إن وجد رجل يعبد السلطة فيما في الوقت نفسه يدعو الى جوهرة المحبة والديمقراطية فإن عبادة السلطة هي دينه السريّ". فنراه يستعمل مصطلحات تتميّز بجماليتها وصورتها البراقة محاولاً محاكاة قلوب الناس وليس عقولهم.

كيف يكون خطاب هكذا زعيم؟ وكيف يتفاعل معه المناصرين خاصةً في دول العالم الثالث؟
ان خطاب السياسي المهووس يتميّز بـ 3 مفاهيم قد نجد غيرها الا ان هذه هي الاساس: النرجيسية، الغاء الآخر والشتيمة ( السخرية). يتركّز خطاب الزعيم المريض عادةّعلى تعظيم نفسه وتلميع صورته، هو الأفضل، المميّز والمتفوّق على الآخرين وهذا النمط السلوكي ما هو الا ترجمة لاشعورية للتعصّب بداخله. من هنا يظهر الحاجز بينه وبين الآخر فينسى السياسي أو يتناسى من أجل حفظ صورة الذات لديه وجود آخرين ينافسوه ويتجاهل ان للآخر خطابا ينطلق منه وان لديه موقف من المفردات نفسها وطروحات و عقيدة و أفكار كما ينفي ان للآخر مناصرين يؤيدوه، هو الزعيم، الجميع معه، أما الآخرين مجرد دمى لا يملكون خيار قراراتهم، وهم مجرد عابري سبيل سينتهون حتماً بعد وصوله الى الحكم.

لكن لماذا يلجأ إلى الشتيمة؟ حين يدرك ان الصورة التي كونها عن نفسه غير صحيحة وأن بعضهم بدأ يكتشف أنه مجرد صورة وهمية بالابتعاد عنه، تنكسر صورة البطل الذي ظنّ نفسه انه هو، وكردة فعل على رفضه هذا الواقع نراه دائم العصبية ويصب غضبه على من في جواره تحت الاضواء وعلى منافسيه في الاعلان ويبدأ باطلاق الاشاعات عنهم وتأليفها، لكن هؤلاء المنافسين لن يسكتوا طبعاً فتنطلق عمليات الردّ المتتالية، وبعد ان تنقطع كل أوصال التواصل بينهم، يشعر هذا المريض بالانعزال لن يتقبله أحد حتى ان بعض مناصريه تركوه وهو لم ينجح بأن يكون المسيطر على رأي كل الشعب وكونه يرفض الاعتراف بالآخر وبشعبيته ويخاف هذا الواقع (ليس بطلاً وليس كل الشعب معه…) تتفاقم عقدة النقص وتبدأ بلعب دورها الغير السويّ. يلجأ الى شتم منافسيه ويفقد السيطرة على التحكم بكلماته فيصبح كل شيء متاح له حتى الكلمات الاأخلاقية والمنافية للقيم الاجتماعية غير آبه بشعور السامعين، ذلك محاولةً منه استعادة نظرته الفوقية لنفسه، لكن ذلك سيكون مجرد المؤشر الاول لانهياره.

ان مفهوم الزعامة او الحاكم يختلف بين الدول المتطورة والدول المتخلفة، ففي الدول المتقدمة، الحاكم هو خادم الشعب، عليه مسؤولية يجب ان يتحملها والّا سيحاسب من قبل الناس ومن قبل المناصرين على حد سواء لهذا فهو يقوم بدرس كل خطوة يقوم بها وبكل كلمة يتلفظ بها مستعيناً بعلماء نفس، اجتماع وسياسة، لان الشعب قد يحاسبه على اي خطأ. أما في المجتمعات المتخلفة المشهد يختلف، فنرى ان الشعب يركن الى زعيم ما، من دون تبصر واختيار واع ودقيق وتسبغ على زعمائها صفات اسطورية واعجازية حتى يختلط الجانب الاسطوري بالجانب الواقعي ويمثل الزعيم لهم من المنظور النفسي "الأنا القيمية العليا" لهذا تلحق به كل الصفات الجيدة و الخارقة. من هذا المنطلق ان هذا الزعيم يسترسل في خطابه المتطرف النرجيسي والبذيء غير آبه بشعور الآخرين لأن لا محاسب ولا مراقب، فمناصريه سيصفقون له حتى لو شتمهم بأنفسهم وذلك لأنها لا تملك القدرة ولا الإرادة على نقد زعيمها بعد ان سلبها هذا الزعيم الموهوم كل قابليتها، ويعود السبب الى التمركز غير المنطقي و غير الموضوعي، اللاعقلاني و الاختزالي لكل شيء في بعد واحد هو شخص "الزعيم". وعند غياب هذا الزعيم ستصاب جماعته حتماً بالإرباك و الزعزعة وفوضى لا مثيل لها لأن تاريخها قد اختزل في تلك الزعامة.

بناءً على ما تقدم نستطيع التأكيد على هذا القول " لا يمكن لحاكم مستبد ان يبقى قي الحكم عقوداً طويلة دون ان يتحمل شعبه جزءاً من مسؤولية ذلك" ، فالجماعة المعتلّة توصل الى سدّة الحكم بالضرورة شخصاً معتلاً.

أما الآن و بعد كل ما ذكر، يحتّم علينا كشباب و طلّاب مثقفين وأكاديميين، مؤسسات حكومية وإجتماعية وحزبية أن نضع على الاقل عقبات امام تسلّم افراد يعانون من عقد نقص مرضيّة او لديهم مشاعر نرجيسية طاغية، او اضطرابات نفسية اي مواقع قيادية في المجتمع خاصة تلك المتعلقة بحكم البلاد. وتشجيع الناس احترام وتقبّل الآخر واقناعهم بأن السلطة مسؤولية ثقيلة وهي وظيفة كباقي الوظائف المهنية في الدولة، فنكون شعباً مثقفاً واعياً قادر على حسم أراءه وبخلاف ذلك علينا ان نتوقع ظهور ألف صدام وصدام، ألف هتلر و موسيليني وديكتاتور وسنكون نحن وحدنا المسؤولين.

بقلم نورا الفخري

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل