كتب شارل جبور: لا يمكن وصف خطاب الرئيس السوري بشار الأسد سوى بأنه يسبح خارج فضاء المنطقة وتحولاتها وعكس التيار الشعبي العربي الجارف وتطلعاته ومخيب لأمال الناس وتوقعاتها ومخالف لحركة التاريخ واتجاهاتها، ومن الواضح أن الرئيس السوري قد اختار التعامل مع الانتفاضة الشعبية السورية بنفس طريقة تعامله مع التمديد للرئيس إميل لحود وليس الانسحاب الكلي من لبنان بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، والفارق بين المحطتين أنه تحدى بالأولى إرادة اللبنانيين والمجتمع الدولي كي لا يفسر عدوله عن موقفه بأنه ناتج عن وهن وضعف، بينما ذهب في المحطة الثانية أكثر مما كان متوقعا منه بخروج جيشه من لبنان تنفيذا للقرار 1559، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يكتفي، ولو لمرحلة أولية ومؤقتة، بتموضع جيشه في البقاع، ولكنه فضل الخروج من المستنقع اللبناني عسكريا وليس سياسيا وأمنيا.
ومن هذا المنطلق، رجحت التوقعات أن يخطو الأسد خطوات نوعية وغير متوقعة إلى الأمام على غرار انسحابه من لبنان، وما ساهم في تعزيز هذه التوقعات ما قاله نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وعبر وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، قال قبل ثلاثة أيام فقط من خطاب الأسد، أن الأخير "سيلقي كلمة هامة خلال اليومين المقبلين تطمئن كل أبناء الشعب"، وما لم يقله الشرع استفاضت مستشارة الرئيس السوري الإعلامية بثينة شعبان بشرحه في مؤتمر صحافي خصص لهذه الغاية عبر تأكيدها أن "القيادة القطرية لحزب البعث تنوي دراسة السبل الآيلة لوقف العمل بقانون الطوارئ، وإصدار تشريعات تضمن أمن الوطن والمواطن، وإعداد مشروع لقانون الأحزاب في سورية وتقديمه للحوار السياسي والجماهيري، وإصدار قانون جديد للإعلام يلبي تطلعات المواطنين في مزيد من الحرية والشفافية"، وهذا فضلا عما سربته صحيفة "الأخبار" المعلوم تموضعها وقربها من الخط السوري بنقلها معلومات مفادها أن "الأسد يدرك أن توق الشعب السوري إلى التغيير والإصلاح، وحتى التحرر، لا يعالج بمسكنات ولا بحفلات ترقيع ولا بالتهديد بحروب أهلية أو دمار ذاتي، ولا بد من قرار جريء، يصالح النظام السوري جدياً مع شعبه.
ولكن يبدو أن الرئيس الأسد الذي تقصد تعميم هذه الأجواء المغلوطة كسبا للوقت وتنفيسا، بشكل أو بآخر، للاحتقان الشعبي ما زال يعتبر بأن لديه متسع من الوقت قبل اضطراره مرغما للشروع في إصلاحات جدية تضع مصير نظامه على المحك، متكئا بذلك على تظاهرة تأييد معلبة وهتافات موجهة وتقارير أمنية "مطمئنة" (كالعادة) ونصائح إيرانية مشجعة على سلوك دربها ونهجها بقمع الناس وضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه مواجهة النظام.
فالرئيس السوري يدرك في قرارة نفسه أن مجرد عرضه لحزمة من الوعود الإصلاحية يعني أن نظامه دخل دائرة الخطر على وجوده عبر سلوكه المسار نفسه الذي اتبعه من سبقه من الأنظمة العربية وأفضى في نهاية المطاف إلى الإطاحة بهذه الأنظمة، خصوصا أن ما يمكن أن يقدمه من إصلاحات ما هو إلا بداية ستليها مزيد من الوعود والتنازلات والتقديمات، هذه الوعود التي لن تثني الشعب السوري على مواصلة ثورته، وأكبر دليل ما ورد من تعليقات أولية تجاه ما تقصد الأسد تسريبه عبر شعبان والشرع وغيرهما لمعرفة ردة فعل هذا الشارع على عروضه الوهمية، حيث تلقى الجواب بشكل واضح بأن المطلب الأول والأخير هو الحرية وليس وعود فارغة من أي مضمون وفي ظل غياب عامل الثقة بين الشعب والنظام الذي كل هدفه امتصاص موجة "التسونامي" الشعبية السورية بغية العودة إلى سياسات القمع والبطش والقهر..
ولعل الثابت في هذا النوع من التحركات الشعبية هو تعاملها مع أي خطوة إصلاحية بأنها محاولة استيعابية التفافية ناتجة عن الضعف في بنية النظام، مما يدفعها إلى مضاعفة تحركها وتمردها على الوضع القائم حتى إسقاط هذا النظام، كما أن مواجهة أي نظام لهذا الوضع الشعبي بالقوة الأمنية والعسكرية، سيدفع هذا الشعب إلى الاستشراس في مواجهته لغاية إسقاطه. هذا بشكل عام، أما على المستوى السوري فالمعادلة أعقد، ويكفي في هذا السياق العودة إلى ما أورده الخبير في معهد الشرق الأوسط آندرو تابلر الذي أشار إلى أن "الأسد يواجه الآن معضلة، إذا نفذ الإصلاحات، سيعزز شرعيته وسط جميع السوريين، بما في ذلك الأغلبية السنية، لكن عندما سيفعل ذلك، سوف يقلل الفساد الذي تستفيد منه شبكات الأقلية العلوية التي تهيمن على الأجهزة الأمنية للنظام وعلى القوات المسلحة"، بمعنى أن تعزيز شرعيته وسط السنة سيؤدي إلى كسر حلقة المستفيدين والمهيمنين من حاشيته على النظام، مما يؤدي إلى سقوطه، كما أن عدم تجاوبه وانفتاحه على مطالب الشعب لن تكون كلفته أقل من الخيار الأول.
ليس المقصود، طبعا، تبرير استلشاء الرئيس السوري بمطالب شعبه، إنما التأكيد أن لا مفر أمامه سوى اللحاق بركب منطقته وإرادة شعبه، فالتحولات الجارية هي على مقربة منه، وقد أقر بنفسه على تأثر سوريا بالمجريات الحاصلة حولها. فما حصل في "درعا" و"اللاذقية" وغيرهما من المدن السورية أثبت أن عدوى الثورات العربية انتقلت إلى دمشق خلافا لتوقعات البعض من أن هذه العدوى لن تتمكن من اختراق الجدار السوري، خصوصا أن الوضع في سوريا يختزن العوامل ذاتها التي أدت الى انفجار الأوضاع في بلدان عربية أخرى من حالة منع وقمع الحريات إلى حالة الطوارئ المفروضة منذ أربعين عاما وصولا إلى القيود الكبيرة المفروضة على الاعلام والحياة السياسية والحزبية والحريات العامة لا سيما حرية الرأي والتعبير… وفي سوريا أيضا نظام الحزب الواحد والحاكم المستبد والتوريث السياسي… وبالتالي ما يصح على تونس ومصر وليبيا واليمن ينسحب على سوريا.
ومن المفيد في هذا الإطار إعادة التذكير بما خلصت إليه "مجموعة الأزمات الدولية" التي اعتبرت في بيان لها أن النظام السوري يواجه ثلاثة تحديات متشابكة: الأول يتمثل في الشعور العميق بالكلل لدى شريحة واسعة من المجتمع، تزامناً مع عدم وجود رغبة جديدة لتحمل ما اعتاد السوريون تحمله لفترة طويلة، وهو غطرسة السلطة. ثانياً وجود قائمة طويلة من المظالم المحددة، منها ارتفاع تكاليف المعيشة، البطالة وغير ذلك. أما التحدي الثالث فهو مرتبط بأعداء النظام الجوهريين، الذين سيسعون إلى اغتنام هذه الفرصة النادرة للتعجيل في إزالة النظام. وربط بيان المجموعة بين هذه العوامل ورغبة الشعب في التغيير الذي طال انتظاره. كما اعتبرت المجموعة أن الحل الوحيد أمام الأسد لامتصاص النقمة القائمة القفز نحو علاجات فعلية وجذرية لا شكلية وموسمية.
ولكن في معزل عن الأسباب الكامنة وراء هذا "التحجر" في خطاب الأسد، الذي جاء تكرارا مملا للمعزوفة نفسها التي يسمعها الشعب السوري منذ عهد الرئيس حافظ الأسد عن "اسرائيل والغرب والقوى الاجنبية والمؤامرة"، أكان مردها لحاشيته المستفيدة من الوضع القائم وغير المستعدة للخروج من هذا الواقع، أو لغياب النوايا الإصلاحية لدى الأسد الذي لا يمكنه أن يتصور نفسه رئيسا سابقا للجمهورية ولو بعد حين، أو ناتجة عن نصيحة إيرانية باستنساخ نهجها في التعامل مع الاحتجاجات، وبالتالي بمعزل عن كل ذلك يبقى السؤال الأساسي الذي ستحمل الأيام المقبلة الإجابة الصريحة والواضحة عليه هو كيف سيتعاطى الشعب السوري مع خطاب رئيسه؟
ولعل الرئيس السوري خطا في خطابه، وفق معظم المراقبين، خطوة ناقصة في الشكل والمضمون:
فعلى مستوى الشكل ظهر مجلس الشعب السوري في مشهد أقل ما يقال فيه بأنه ينتمي إلى مرحلة ما قبل الثورات العربية، فهتافات النواب في مجلس الشعب السوري «بالروح بالدم نفديك يا بشار» والتصفيق المتواصل ووصلات الزجل كانت أشبه بمهرجان انتخابي لمرشح في "باب الحارة".
أما على مستوى المضمون فكلمة الأسد كانت خارج السياق الزمني للأحداث المرتبطة بالتحولات الجارية على الساحة العربية ولا سيما في سوريا، وهذا فضلا عن استفزازها لمشاعر السوريين والمجتمعين العربي والدولي. ولعل ردة الفعل الدولية الأولية هي أفضل تعبير عن واقع الحال وكيفية تعامل هذا المجتمع من الآن وصاعدا مع نظام الأسد، إذ بدا واضحا ارتفاع منسوب هذه النبرة حياله، كما ردة فعل الشعب السوري الفورية على كلمته.
ولعل أبرز ردود الفعل على خطاب الأسد جاءت من الرئيس بري الذي رأى في الخطاب حركة تصحيحية ثانية بقيادة الرئيس بشار الأسد بعد الحركة التصحيحية الأولى التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد، وكأن به يقول بأن الحركة التصحيحية الأولى التي مكنت الأسد الأب من حكم سوريا حتى وفاته، يأمل بري أن تمكن الحركة التصحيحية الثانية الأسد الابن من قيادة سوريا، وهو لا يزال في عز شبابه، حتى وفاته بعد عمر طويل، وهذا تدخل فاضح من قبل بري في الشأن الداخلي السوري.
لا أحد كان يتصور في العمق أن بإمكان نظام ديكتاتوري أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى نظام ديموقراطي، أو أن الرئيس السوري كان في وارد التخلي عن السلطة طوعا في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو أنه كان سيسمح بعودة المعارضين السوريين إلى سوريا لممارسة نشاطهم السياسي كمعارضة للنظام، ولكن في المقابل لم يكن أحدا يتصور أن يتحدى الرئيس السوري شعبه وكل العالم ويعلن أن كل ما هو قائم هو كناية عن مؤامرة تم إسقاط الجزء الأكبر منها وأنه لن يتوانى عن إسقاط ومواجهة ما تبقى من مؤامرات ضاربا عرض الحائط كل مطالب شعبه ومتجاهلا التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة بتحولها من مرحلة إلى أخرى.
نجا الله سوريا والشعب السوري، كما نتمنى لهذا البلد السلم والأمان، وللشعب السوري الحرية والكرامة.
