كتبت هنادي السمرا في صحيفة "اللواء": يخضع مبدأ الحصانة النيابية، لأصول وآليات دستورية وقانونية، هي منتقاة من الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، بغض النظر عن الحالة السياسية التي تمر بها البلاد، أو الإتجاه السياسي الذي قد يميل إليه المجلس أوالاغلبية النيابية فيه.
إذاً، المسألة في النصوص واضحة، أما في النفوس، فهذه مسألة أخرى، قد تخضع أو لا تخضع للمزاجية العامة في السياسية، ولم يحدث أن حصل ذلك في تاريخ المجلس النيابي الحديث، ولم تسجل سابقة في هذا الشأن، وإن كانت الحالة الوحيدة التي رفعت فيها الحصانة كانت عن النائب يحيي شمص، وإن كانت هناك بعض المحاولات في ذلك، وإن لم تستكمل بنودها.
وقبل الدخول في الحيثيات والأصول، فمن الضرورة الإضاءة على الأصل قبل الإنتقال إلى المتفرعات، أي النصوص الدستورية والقانونية، على أن ننتقل لاحقاً إلى الهدف الذي وجدنا أن هناك ضرورة لمعالجة الأمر من خلاله.
أولاً: في الدستور:
تنص المادة 27 منه على: "عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن ترتبط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه".
وإستكمالاً، تنص المادة 29 على ما يلي: "إن الأحوال التي تفقد معها الأهلية للنيابة يعيّنها القانون".
وفي الإطار نفسه، تأتي المادة 30 من الدستور لتنص على الآتي: "للنواب وحدهم الحق بالفصل في صحة نيابتهم ولا يجوز إبطال إنتخاب نائب ما إلا باوغلبية الثلثين من مجموع الأعضاء• وتلغى هذه المادة حكماً فور إنشاء المجلس الدستوري ووضع القانون المتعلق به موضع التنفيذ".
والمادة 39 أيضاً لها علاقة موضوعية بالأمر: "لا تجوز إقامة دعوى جزائية على أي عضو من أعضاء المجلس بسبب الأراء والأفكار التي يبديها مدة نيابته".
أما المادة 40 فتتضمن الآتي: "لا يجوز أثناء دور الإنعقاد إتخاذ إجراءات جزائية نحو أي عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلا بإذن المجلس ما خلا التلبس بالجريمة (الجرم المشهود).
وفي الخانة ذاتها، المادة 41 تنص على: "إذا خلا مقعد في المجلس يجب الشروع في إنتخاب الخلف في خلال شهرين. ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد أجل نيابة العضو القديم الذي يحل محله• أما إذا خلا المقعد في المجلس قبل إنتهاء عهد نيابته بأقل من ستة أشهر فلا يعمد إلى إنتخاب خلف.
هذا في الأساس، اي في الدستور، فماذا في الآلية التنفيذية، أو في النظام الداخلي للمجلس النيابي؟.
تحت عنوان "الحصانة النيابية ورفعها"، وفي فصل خاص بها، خصصت عشر مواد لتبيان الكيفية في رفع الحصانة ومفهومها العام والآلية الواجب إتباعها في هذا السياق، ونجد من الضروري تبيانها بما لا يجعل من التفسير أو التأويل مجالاُ للشك أو الأخذ والرد.
– المادة 97 "مبدأ الحصانة النيابية متعلق بالإنتظام العام".
– المادة 98 "لا تجوز خلال دورات إنعقاد المجلس، ملاحقة النائب جزائياً أو إتخاذ إجراءات جزائية بحقه أو القبض عليه أو توقيفه إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبس بالجريمة (الجرم المشهود).
– المادة 99 "يقدم طلب الإذن بالملاحقة وزير العدل مرفقاً بمذكرة من النائب العام لدى محكمة التمييز تشتمل على نوع الجرم وزمان ومكان إرتكابه وعلى خلاصة عن الأدلة التي تستلزم إتخاذ إجراءات عاجلة".
– المادة 100 "يقدم طلب رفع الحصانة إلى رئيس المجلس الذي يدعو هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل إلى جلسة مشتركة لدرس الطلب وعلى هذه الهيئة تقديم تقرير بشأنه في مهلة أقصاها أسبوعان".
– المادة 101 "إذا لم تقدم الهيئة المشتركة تقريرها في المهلة المعينة في المادة السابقة، وجب على رئاسة المجلس إعطاء علم بذلك للمجلس في أول جلسة يعقدها، وللمجلس أن يقرر منح الهيئة المشتركة ممهلة إضافية بالقدر الذي يراه كافياً أو وضع يده على الطلب والبت به مباشرة".
– المادة 102 "عندما يباشر المجلس البحث في طلب رفع الحصانة يجب استمرار المناقشة حتى البت نهائياً بالموضوع".
– المادة 103 "للإذن بالملاحقة مفعول حصري ولا يسري إلا على الفعل المعين في طلب الحصانة".
– المادة 104 "يتخذ قرار رفع الحصانة بالأكثرية النسبية وفقاً للمادة 34 من الدستور".
– المادة 105 "إذا لوحق النائب بالجرم المشهود أو خارج دورة الإنعقاد أو قبل إنتخابه نائباً تستمر الملاحقة في دورات الإنعقاد اللاحقة دون حاجة إلى طلب إذن المجلس ولكن على وزير العدل أن يحبط المجلس علماً بالأمر في أول جلسة يعقدها وللمجلس الحق بأن يقرر عند الإقتضاء بناء على تقرير الهيئة المشتركة المشار إليها في المادة 100 وقف الملاحقة بحق النائب وإخلاء سبيله مؤقتاً أثناء الدورة إذا كان موقوفاً وذلك إلى ما بعد دور الإنعقاد".
– وأخيراُ، المادة 106 "للهيئة المشتركة وللمجلس عند درس ومناقشة طلب رفع الحصانة تقدير جدية الملاحقة والتأكد من أن الطلب بعيد عن الغايات الحزبية السياسية ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي".
هذا ما يتعلق بالحصانة حصراً، أما تصرف النائب خلال وجوده داخل المجلس فهذا الأمر تنظمه المادة 108 والتي تنص على "إذا ارتكب النائب جرماً من نوع الجناية في مقر المجلس فعلى الرئيس أن يأمر بالقبض عليه وأن يحجزه في مكان معين ويسلمه للسلطة القضائية فور حضور من يمثلها• أما إذا كان الجرم من نوع الجنحة فللرئيس إبلاغ السلطات المختصة بإتخاذ التدابير القانونية".
إذاً، هذا في الشأن الدستوري، أما في الممارسة، وفي خانة معالجة ما جرى مؤخراً في حالة النائب عقاب صقر، وإتهام المجلس بشكلٍ أو بآخر من خلال وضع القضية في عهدة الرئيس نبيه بري معتبراً أن الأخير لا يقبل بتأسيس سوابق غير دستورية وغير قانونية (على قاعدة أن التبليغ وصل إلى صقر عن طريق موظف وقع على الدعوى) تقول مصادر مجلسية متابعة لسير القضية، أن ما حصل لا علاقة له من قريبٍ أو بعيدٍ بالمواقف السياسية، وأن المجلس غير معني بما صدر على لسان النائب صقر لجهة قوله "أنه مستعد للتنازل عن حصانته النيابية في حال تقدم اللواء جميل السيد بدعواه"، فهذا شأن خاص به، أما المجلس فلم يخرق القانون من قريبٍ أو بعيد، وعلى العكس فإن ما تسلمه المجلس ومن ثم قام بتسليمه للنائب صقر ليس تبليغاً لجلسة بل تبليغاً لدعوى السيد، والفرق واضح، لأنه وفي هذا الحالة لا يحتاج ألى مرحلة رفع الحصانة طالما لم يتبلغ المجلس رسمياً بالدعوة إلى حضور جلسة، فالأول يتقدم به وزير العدل والثاني من مدعي التحقيق.
ويقول المصدر أن "هذه الإجراءات متبعة ومتعارف عليها منذ العام 1943، أما في حال طلب المحاكمة أو التحقيق وطلب رفع الحصانة، فهذا يبدأ بكتاب وزير العدل إلى رئيس المجلس الذي يلتزم بالآلية الدستورية والقانونية.
ويذكر المصدر بحالات تم عبرها اللجوء إلى نفس الحالة الحالية، فالحصانة سبق ورفعت عن النائب السابق حبيب حكيم وعن النائب السابق يحيي شمص، كما وجه إلى النائب السابق كتاباً لرفع الحصانة عنه ورفض من قبل الرئيس بري لعدم قانونيته.
ويستشهد المصدر بوقائع سبق وجرت وتم خلالها التعامل مع النائب في عملية التبليغ كما حصل اليوم مع النائب صقر: وفي عهد الرئيس كامل الأسعد، مع النائب جوزيف سكاف كما حصل ذلك مع النائب عاصم قانصوه في أمر يتعلق بالإيجارات ومع النائب إيلي سكاف، بنفس الطريقة على إعتبار أن المجلس هو المكان الدائم للنائب وموقعه الثابت.
في كل الأحوال، من المؤكد أن هناك خلفيات سياسية قد تتحكم بفريقٍ دون الفريق الآخر، إلا أن الآلية الدستورية واضحة، ولا يمكن أن تخضع الأصول البرلمانية للإستنسابية فالنصوص لا تحتمل التأويل، ولكل حالة إستثنائيتها، ولكن دون أن يتعارض ذلك مع الإدبيات النيابية طالما أن النائب يمثل الأمة جمعاء، وهذا سيف ذو حدين: الواجبات كما الحقوق، وعندئذٍ لا تتعارض الآلية التنفيذية مع النوايا.