كتب رضوان عقيل في صحيفة "النهار": ترقب المسؤولون اللبنانيون جميعا خطاب الرئيس السوري بشار الاسد في مجلس الشعب الخميس والذي جاء بعد موجة الاحتجاج في مدينتي درعا واللاذقية اللتين تردد اسمهما على ألسنة الجميع هنا نظرا الى انعكاس هذه الحركة على لبنان، وقد نشطت المخيلات حيال "أمنيات" كل طرف للنظام السوري الذي يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي منذ نحو نصف قرن.
وليس من المستغرب القول إن قوى 14 آذار من سياسيين وناشطين في صفوف هذا الفريق أبدت في مجالسها الداخلية حماسة زائدة مع المتظاهرين، وكانت تمنّي النفس بأن تمتد الى مدن أكبر بحجم دمشق وحلب لتقلب رأس هذا النظام الذي يكنون له العداء والكراهية منذ ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد الذي وضع مداميك سلطات هذه الدولة وتسلمها نجله قبل 11 عاما. ونجح الاخير في تجاوز أكثر من قطوع وعاصفة هبت على بلاده.
وعلى الضفة الاخرى كان فريق 8 آذار يتابع هذه الاحتجاجات من دون ان يصل الى درجة "الخوف" على انهيار النظام، ولم ير فيها صورة المسيرات المليونية التي شهدتها القاهرة والاسكندرية وخبرتها تونس، لذلك لم يطلق هذا الفريق في أدبياته عبارتي "الثورة" أو "الانتفاضة" على ما حدث على المسرح السوري الموصولة خشبته بلبنان.
وكان قياديون في المعارضة الجديدة يردون لدى سؤالهم عن رؤيتهم لهذه الاحتجاجات في درعا واللاذقية بالقول: "نحن مع خيار الشعب السوري". ولم يشأ معظمهم توجيه أي نقد للرئيس الاسد وحزبه.
في هذه الاثناء كان الاكثريون الجدد على تواصل مع القيادة السورية التي أطلعتهم، على ما يقولون، على جزء من تفاصيل المواجهات في درعا وكيف تعاملت القوى الامنية مع المتظاهرين والدور الذي اضطلع به الاسد في هذا الشأن.
ولم تقتصر زيارات النائب سليمان فرنجية والمعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لـ"حزب الله" حسين الخليل على البحث في تشكيل الرئيس نجيب ميقاتي الحكومة التي طال انتظارها، بل تناولت لقاءات هؤلاء ايضا معرفة وقائع الحدث السوري. ولم يكن لقاء رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط والرئيس الاسد بعيدا ايضا من الموقف السوري الداخلي.
ويرجع اطمئنان قوى 8 آذار الى صمود النظام السوري وتعلق الشعب بالرئيس الاسد، الى ممارسة الاخير سياسات تنموية واقتصادية في بلاده تختلف عن المنهاج الذي سلكه الرئيسان السابقان المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي، وان الاسد لم يطبق طريقة الزعيم الليبي معمر القذافي المهدد بالرحيل ايضا لينضم الى قافلة الزعماء السابقين.
وفي الدقيقة التي لفظ فيها الاسد جملته الاخيرة في خطابه الخميس، التقط رئيس مجلس النواب نبيه بري قلمه عن طاولة مكتبه في عين التينة وكتب عبارة: "الحركة التصحيحية الثانية" ليسقطها على كلام الرئيس السوري.
وقبل ان يبعث بري بهذه الرسالة الى صديقه الاسد و"على راس السطح"، استمع منه في الاتصال الهاتفي الذي سبق الخطاب الى مسار الوضع في سوريا الذي لم يكن في الاصل موضع قلق كبير في رؤية رئيس المجلس الذي يتحدث باطمئنان عن الروح الوطنية والقومية التي يبثها الاسد في نفوس ابناء شعبه، بغض النظر عن الحركة المطلبية والاجتماعية التي ينادي بها جمهور من السوريين.
كذلك يفصل هذا الامر عن الاسباب التي دفعت المتظاهرين في تونس ومصر الى القيام بالتظاهرات الضخمة في بلديهما، وان الرئيس الاسد، وفق تحليل بري، تكلم من الموقع القوي وليس الضعيف.
ويعيد هذا الامر الى الشعور القومي والطاغي عند الشعب السوري وسلوك طريق الممانعة التي يقودها الاسد، علما ان ليس هناك "جوع نضالي" لدى ابناء شعبه المشبع برفض سياسة الغطرسة الاسرائيلية في المنطقة، وان انظمة عربية عدة منعت شعوبها من التعبير والاعتراض واغرقتها في وحول العوز والحرمان المدقع. وكان يخشى وقوع فتنة في اللاذقية على ايدي جهات لا تريد الخير لسوريا، وثمة من يأمل في انتقال العدوى المذهبية في لبنان الى ربوع سوريا.
والاحتجاجات الاخيرة – بحسب بري – يخيم عليها الطابع المطلبي للخروج من حرمان اقتصادي او معيشي، ولا علاقة لها بالسياسة. ثم ان الاسد نفذ سياسات نوعية في مجالي الاقتصاد والاعمار، وفتح الاسواق والمصارف والشركات الخاصة، فضلا عن الانفتاح وابرام المعاهدات التي وقعها مع الاتراك. وليس مفاجئا ان يعزو بري الفضل في صمود السوريين ونظامهم الى "اسرائيل بعد الله"، لان دمشق تطبق سياسة الممانعة، وتؤمن بخط المقاومة، وستبقى عصية على الانقسام والفوضى".
ويهدف من هذا الكلام الى القول ان هذه "الثنائية" لم تكن موجودة عند النظامين السابقين في مصر وتونس"، وليست موجودة في الاصل عند نظام معمر القذافي في ليبيا الذي يواصل مشوار جنونه في هذا البلد الجريح والمقبوض على انفاس شعبه".