لسنا في وارد التشفي بما حدث في سوريا، ولا في وارد "الشماتة"، لا خوفا من حاكم ولا خوفا على حكم، بل في وارد التساؤل عن ذاك الذي يربط بين لبنان وسوريا مما لا يمكن حلّه أو فصله أو فكّه أو التخلّي عنه.
ولسنا هنا أيضا في وارد التشكيك لا في الجغرافيا، ولنا فيها خطوط ومراجع، ولا في التاريخ ولنا فيه جولات ومحطات، بل في وارد التساؤل عن ذاك الذي يعطي سوريا ما لا يعطيه للبنان، وعن ذاك الذي يجعل "الخطيئة" في دمشق خارج المحرّمات والخطيئة في لبنان خارج البديهيات.
ونسأل بعض اللبنانيين كيف تذهب دمشق الى التفاوض مع تل أبيب، فلا يتذمّر حزب الله ولا تحتج طهران، وكيف تحترم دمشق هدنتها في الجولان فلا يخرقها حزب الله ولا تلعنها طهران؟
ونسأل هنا عن وحدة المصير والمسار، وعن مقولة "الشعب الواحد في دولتين"، وكيف يكون لشعب واحد دولتان وحاكمان وجيشان ونظامان؟ ولماذا لا نكون شعبا واحدا في اثنتين وعشرين دولة عربية وليس في دولة واحدة، ما دام العرب الآخرون عربا مثلنا لا هنودا حمرا ولا مرتزقة؟
ونسأل هؤلاء أيضا: لماذا يقوم في قوسايا ما لا يقوم في القنطرة وبانياس؟ ولماذا لا تستطيع شبعا أن تراهن على الوقت أو تبحث عن خارطة، ويستطيع الجولان أن ينتظر وأن يصبر وأن يذوب عن آخره في خارطة إسرائيل؟ وأيضا نسأل: لماذا يكون التظاهر من أجل الحاكم أكثر متعة من التظاهر من أجل الحرية؟ ولماذا تكون القلاقل في دمشق مؤامرة من صنع لبنان، وتكون القلاقل في لبنان من صنع الله في مكان، وصنع القضاء والقدر في آخر؟ ولماذا كلما حوصر النظام في دمشق علّقوا لبنان على المشانق أو وضعوا رأسه على الطاولة؟
ولسنا هنا في وارد القطيعة مع دمشق، ولا في وارد العصيان، بل في وارد السؤال: لماذا يُطلَب من لبنان أن يبكي حين تبكي سوريا، وأن يقاتل حين تعاند، وأن يموت حين تتحدى، وأن يمانع حين تفاوض،وأن يصمت حين تخطب، وأن يبارك حين تأمر، وأن ينحني حين تعبر؟
ولماذا، أخيرا، كُتب على لبنان أن يهتز حين تهتز سوريا، ولم يُكتَب له أن يهدأ حين تهدأ سوريا؟