#adsense

الشعور بالقرف

حجم الخط

القرف في اللغة هو الشعور بالأشمئزاز والكره والتقزّز، فيقال: "اصيب بالقرف من مشهد يومي"، أي نفر منه وعافه ممتعضا. أمّا القرف في السياسة فهو ما يعتري الأنسان من أنقباض ووهن عزيمة، قبالة مسلكية سبّبت له خيبة. وما أكثر البشاعة التي تنشرها الخيبات، ليكون من تداعياتها الشعور بالأحباط وبهشاشة الثقة. وهذه حال اللبنانيين مع بعض زعمائهم، وأيضا هي حال بعض الزعماء "الأصلاح" مع أنفسهم.

من الطبيعي الأعتراف بأنّ مجريات الأحداث لا تصبّ دوما في مصلحة الواحد منّا، فتأتي النتائج بعكس ما يشتهي. ذلك لأنّ الأنسان هو ابن ظرفه، يتكيّف معه من دون قدرة منه على تبديله أو تعديله الاّ نادرا. فما عليه والحالة هذه سوى استدراك النتائج بتلطيف انعكاساتها السالبة. والعاقل اللبيب هو من يؤاخي الظرف كيفما كان، بلين وطواعية حتى لا يقصفه الظرف ويختم عليه.

انّ حال اللبنانيين مع بعض قياديّيهم الموهوبين، تشبه الى حدّ بعيد حال النائم مع أحلامه. فقد يحسب المتوغّل في النوم أنّ الحلم حقيقة لا ريب فيها، يعيشها باندفاع وشغف. لكنّ الأستيقاظ يشكّل خاتمة بائسة لسراب هائم، وينتبه حينئذ الحالم الى واقعه الأليم، فيتشقّق الأمل الكرتوني ويتحوّل الى يأس قاتل. وهكذا مصير العلاقة مع الزعماء، هؤلاء الذين يزعمون أنّهم يمسكون بأكسير الحياة، وأنّ موسى قد تقمّصهم فباتوا قادرين على تحويل العصا ثعبانا، وعلى شقّ المياه يباسا موصلا الى أرض الخلاص. وما أقرب الوقائع يرتفع صوتها لينقض الأدّعاءات، فتنهار صورة الزعيم كزجاج أصابته ركلة. حينها يشعر الناس بالقرف، فيقذفون زعماءهم بأبشع النعوت، ويهجون أنفسهم لقلّة عقلهم.

أمّا القرف عند الزعماء، فأمر يدعو الى الأستغراب. فالتصريح بالقرف من جانب أيّ زعيم أنّما هو بدعة أو تعمية يقصد منها أستدراج الجمهور الى منطقة التصفيق الرخيص.أو بالأحرى اللعب على أوتار المشاعر المشدودة والتي تنطلق دونما دراية، أذا مسّتها أصابع التشنيج المغرضة. وقرف الزعيم يكون في نوع من نوعين: فأمّا أن "يقرف" الزعيم من ناسه، فيوبّخهم تصريحا وتلميحا، ويحاول أن يتنصّل منهم أذ أنّ معرفته ايّاهم جرّت عليه الندم، فيطفو عامل الخسارة بهم دون تعويض. وأمّا أن يقرف ممّا يدور حوله من حيثيات مناقضة لأغراضه ومرتجاه، فيعمّم نقمته التي لا ينجو من سهامها قريب أو بعيد. وفي الحالين لا يستطيع الزعيم ممارسة التمويه والتدليس الاّ مرحليا. فقرفه من جمهوره ليس سوى حركة أستنهاض غرائزية، ينتظر معها الزعيم ردّة فعل الناس الأيجابية، ليتكوكبوا حوله من جديد، فيزول قرفه بسحر ساحر ومن دون مبرّر موضوعي. في الحقيقة لن نعرف أبدا سبب قرفه أو سبب عودته عن القرف. أمّا في ما يختصّ بقرفه من الواقع "الفاسد"، لعدم تمكّنه من أجراء أصلاحات ضرورية عليه ( كما يدّعي )، والقاء مسؤولية الفشل والتخلّف على الخصوم، فيكفي أن يُسأل الزعيم:أذا كان الأحباط قد نال منك الى هذه الدرجة، وأذا كان التشاؤم والقرف قد أخمدا بصيص الأمل في نظامك النفسي، وأذا كان الواقع المعيوش ميؤوسا منه حتى العمق، فلماذا لا تكون منسجما مع "قرفك" لتتخذ قرارا جريئا بالأنسحاب مما تسميّه "بؤرة الفساد" فتريح نفسك من أرق التفكير في الحلول ؟؟ أم أنّ وجودك في عصرنا فيض الهي أو نفحة ربّانية يجب أن نترصّد لها، وكأنّ الله حمّلك رسالة الأصلاح فما عليك سوى أتمامها ؟ أمام هذا الزيف الطاغي، ليس على الناس سوى أن يتقنوا ثقافة القرف من هكذا زعماء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل