#adsense

أكثر من شهرين ونصف على اسقاط حكومة الحريري…. غلطة الـ”شاطّر” بألف

حجم الخط

كتب نبيل سركيس*: عند المنعطفات والمفاصل التاريخية وحصول المتغيّرات الٳستثنائية في حياة المجتمعات والشعوب، غالباً ما تحتاج التطورات المستجدة الى وقت طويل نسبياً لفهم حقيقة الحوادث السياسية وخلفياتها وأبعادها وللحكم عليها. وهذا ما ظننّا في لحظة معينة انّه قد ينطبق على ما واكب عملية الإسقاط غير المسبوقة في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري، في توقيت جريء واكبت فيه استقالة وزراء فريق "8 آذار" من الحكومة ولوج الحريري عتبة البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي باراك اوباما، وفي رسالة عالية المدلول انقلبت معها الأكثرية النيابية المكتسبة ديمقراطياً لمصلحة فريق "14 آذار" الى أكثرية جديدة مكتسبة بعامل الخوف من تهديد السلاح لمصلحة فريق "8 آذار".

انكشاف الخطأ
الا أنّ ما استتبع هذه الخطوة من سرعة تبيان سلبياتها على الفريق صاحب المبادرة الإنقلابية ومن يقف وراءه خلف الحدود، ساهم في زمن قياسي ايضاً في انكشاف الخطأ المرتكب ومدى فداحته والذي يكاد يكون خطأ استراتيجياً قاتلاً نتيجة عمل غير محسوب النتائج بدقة.

فالثقة الزائدة التي أوحى بها فريق المعارضة السابقة بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري والتكليف السريع للرئيس نجيب ميقاتي ما لبثت أن تلاشت بشكل سريع وانقلبت تخبطاً وارتباكاً نتيجة عوامل عدة أهمها:

1- سرعة استيعاب فريق الأكثرية السابقة للضربة الفجائية التي تلقاها وسرعة تنظيم صفوفه وتوحيد موقفه وخطابه.

2- الانتقال السريع للأكثرية السابقة من موقع رد الفعل الذي انتهجته مرغمة طوال السنوات الماضية الى موقع المبادر، فكان طرح رفض السلاح خارج الشرعية عنواناً للمرحلة المقبلة.

3- المشاركة الشعبية الكثيفة وغير المتوقعة في احتفال ٳحياء ذكرى "14 آذار" وما تعنيها من تجاوب الرأي العام اللبناني مع طروحات المعارضة الجديدة.

4- سرعة الحوادث والمتغيرات في عدد كبير من الدول العربية والتي جعلت الراعي الاقليمي لفريق "8 آذار" أي سوريا، يتريث في اعطاء الضوء الأخضر لتشكيل الحكومة.

5- كثرة المطالب والشروط التوزيرية ضمن الفريق الواحد وعدم قدرة الرئيس المكلف على تلبيتها رغم اعلان المعارضة الجديدة عدم مشاركتها في الحكومة العتيدة، مما يثبت أن الأكثرية الجديدة لا تعدو كونها أكثرية هجينة تكوّنت بفعل التقاء مصالح معينة وفي توقيت معين.

انكشاف "حزب الله"
ٳنّ ايّ قراءة موضوعية للنتيجة الأولية للإنقلاب الحاصل تبيّن أنّ عملية اسقاط الحريري وحكومته قد أدّت عمليا الى انكشاف "حزب الله" وسلاحه امام الداخل وامام المجتمع العربي والدولي. فقد خسر "الحزب" غطاء "شبه اجماعي" كان حاصلا، ولو بالإكراه عند بعضهم لسلاحه، حيث تحوّل من حزب يقرّ له معظم اللبنانيين ولأسباب متعددة، بعضها بالقبول وبعضها بالرضوخ، بوظيفة المقاومة ضد اسرائيل وبالتالي التسليم بحقه في امتلاك السلاح، الى حزب مسلّح متهم باستعمال سلاحه في الداخل للتأثير في الحياة السياسية اللبنانية وفرض ارادة أحادية على التنوع الذي عُرف به لبنان. وهكذا يكون "حزب الله"، وفي لمحة بصر، قد جعل نفسه مكشوفاً بخسارته غطاءين كانت تسوية الدوحة قد أمنتهما له:

1- حكومة الوحدة الوطنية رغم تعطيل عملها عمليا من الحزب وحلفائه، الا انّ بيانها الوزاري على الأقل كان يشكل غطاء وطنيا كافيا لعمل "حزب الله" وحركته

2- طاولة الحوار برعاية رئيس الجمهورية وبحضور كل الفئات اللبنانية، والتي وٳن حرص بعضهم على جعلها شكلية، الا انّها شكّلت بديلا للجميع عن السجال بشأن السلاح في الشارع، مع العلم انّ حليف "حزب الله" النائب ميشال عون كان اول المقاطعين لها مسايرة للحزب عندما لم يكن الكلام عن السلاح مباحا للجميع.

ماذا يعني كل هذا؟
كل ما سبق يعني بكل وضوح تحوّل موضوع سلاح "حزب الله" الى موضوع خلافي لا يجمع عليه اللبنانيون، وبالتالي أصبح بندا خلافيا يتوجب ٳيجاد حلّ له في أي مسعى حل قد يجري البحث فيه مستقبلا.

تبدّل حسابات الراعي الإقليمي
هذا بالنسبة لـ"حزب الله"، اما بالنسبة للراعي الإقليمي لهذا الإنقلاب أي سوريا وخلفها حليفتها ايران، فإن التطورات المتسارعة على الساحة العربية وتبدّل موازين القوى الإقليمية التي كانت قائمة لحظة اسقاط حكومة الحريري بشكل غير محسوب وغير متوقع، واستفاقة الشعوب العربية ضد أنظمتها دفعة واحدة مطالبة بالحريات العامة وبالإصلاح جعلت كل خطوة يقدم عليها في ظروف كهذه يحسب لها الف حساب. فسوريا وضعت نفسها اليوم في وضع لا تحسد عليه لأنّ ٳعطاءها الضوء الأخضر لحلفائها في لبنان لإصدار تشكيلة حكومية من لون واحد ستعتبر خطوة استفزازية تعاكس التيار السائد على امتداد الرقعة العربية، كما أنّ احجامها عن ٳعطاء هذا الضوء واستمرار الفراغ الحكومي يحملها مسؤولية هذا الفراغ، ويعني ضمناً أنّ اسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري لم يكن ضربة معلم بل غلطة شاطر تساوي الف غلطة.

الإرباك قد يسرّع تفكك الأكثرية الجديدة
هذا اذن ما يفسر حالة الإرباك التي يعيشها الرئيس المكلف وفريق الأكثرية الجديدة بالنسبة لتأليف الحكومة. فلم يعد من السهل في ظل ما يعصف بالمنطقة خصوصا العربية من تغييرات تحدّي فريق لبناني كبير يمثل على الأقل نصف الشعب اللبناني، ولا تحدّي المجتمع العربي والدولي بحكومة من لون واحد عنوانها السياسي التخلي عن ارتباطات لبنان الدولية.

فما جمعته نشوة اسقاط الحريري ما لبث أن فرّقه طيف الحريري الحاضرة ملائكته في كل مفاصل تشكيل الحكومة الجديدة. فالرئيس المكلّف يخشى الإقدام خشية التفريط بصلاحيات رئيس الحكومة والظهور بمظهر المتخاذل امام أبناء طائفته فيسقط حيث لم يسقط الحريري، والنائب عون يريد كل شيء كي يثبت أنّ العائق أمام نيل المسيحيين حقوقهم كان الحريري، و"حزب الله" يريد اشراك المعارضة السنية في الحكومة كي يكسر احتكار الحريري لتمثيل طائفته، والنائب وليد جنبلاط يريد المشاركة في الحكومة ولكنه يسعى الى استبعاد الأسماء الإستفزازية لأنه يريد أن يحافظ على شعرة معاوية مع الحريري، وحتى رئيس الجمهورية لا يريد وزراء يمارسون الكيدية في وزاراتهم حتى لا يكون المقربون من الحريري، صاحب أكبر كتلة نيابية، موضع انتقام واستبعاد.

بعض السياسيين والمراقبين بدأوا يهمسون سرا أنه يبدو "مش ماشي الحال". فهل يدور الزمان دورة كاملة في سرعة توازي سرعة ما يجري في المنطقة ويعود الحريري ليكون هو الحل بعد أن كان مصدر المشكلة بالنسبة لفريق "8 آذار"؟! فبعد أن كان أعضاء من هذا الفريق يبتسمون استهزاء عند سؤالهم عن احتمال اعادة تكليف الحريري تشكيل الحكومة، أصبحوا اخيرا، وفي حوارات متلفزة، يستبعدون الموضوع ولكنهم يردفون قائلين إن في السياسة لا شيء مستحيل. وللواقعية نقول إن في تركيبة معقدة مثل التركيبة اللبنانية وفي ظروف كالتي نعيش سيبدو صعبا أو شبه مستحيل أن يكتب لأي حكومة النجاح في ظل استبعاد نصف اللبنانيين والإنقلاب على نتائج الإنتخابات النيابية.

لذلك فحتى لو نجح فريق الأكثرية الجديدة في تأليف حكومة من لون سياسي واحد، فهي ستكون حكومة تقطيع الوقت بانتظار الإنتخابات النيابية المقبلة.

*رئيس دائرة الشؤون السياسية في المركز اللبناني للمعلومات

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل