كتبت روزانا بومنصف في "النهار":
على رغم اتصالات الدعم والتأييد التي تلقاها الرئيس السوري بشار الاسد من عدد من المسؤولين الكبار في لبنان في وجه ما تشهده سوريا من اضطرابات وضعها الرئيس السوري في اطار "المؤامرة على سوريا"، فان واقع الحال ان انطباعا سياسيا عاما في لبنان شاع، مدفوعا بما اعلنته مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان عن اجراءات على وشك ان تتخذها القيادة السورية، بأن الرئيس السوري سيعلن خطوات اصلاحية مهمة. ولا يمكن القول ان المسؤولين في لبنان لم يفاجأوا كسواهم من المسؤولين في العواصم المراقبة بخلو خطاب الرئيس السوري من اي ذكر تفصيلي لاي خطوات اصلاحية وقد ساورتهم مخاوف من ان يكون هناك خطأ ما ارتكب عبر هذه الخطوة نظرا الى تجربة الدول العربية التي شهدت معارضات اطاحت النظام فيها او هي على وشك ان تفعل. ويعود ذلك الى اعتقاد ان الرئيس السوري لا يزال يملك الفرصة الكبيرة لأخذ المبادرة في قيادة بلاده من دون مواجهة اعمال عنف تهدد نظامه في حال احسن التعاطي مع الامور ولم يعتمد الطريق التي اتبعها سواه من حكام عرب. ويمكن القول ان مسؤولين كثرا يخشون من تأثيرات الوضع السوري على لبنان ولا يطمحون الى تغيير على مستوى القيادة بمقدار ما يمكن ان يرحبوا بتغيير في الاداء وانفتاح سوريا، بصرف النظر عما اذا كانوا عبروا عن ذلك للرئيس السوري ام لا، على غير ما توحي به مواقفهم المعلنة.
وتعتقد مصادر ديبلوماسية ان الرئيس السوري، وبصرف النظر عن معلومات عن وجود تضارب في الرأي بين المحيطين به حول كيفية التعاطي مع الازمة المستجدة في سوريا، تأثر بالنصائح الاقليمية والدولية التي اسديت اليه حول وجوب تقديم اصلاحات بعد الاحداث المؤلمة التي اضطرت على اثرها شعبان الى الاعلان عن خطوات اصلاحية قريبة. ولكنه بعد رصده لردود الفعل الدولية على الاحداث التي تجري في سوريا تبين له ان نظامه اقوى مما يعتقد بالنسبة الى الخارج الذي يتمسك به لاعتبارات متعددة من بينها في شكل خاص تورط الغرب في ما يجري في ليبيا بحيث يتعذر عليه فتح جبهة جديدة او الانخراط في اي حرب مماثلة تحت تأثير الضغوط الداخلية لهذه الدول والخلافات في ما بينها كما يحصل بالنسبة الى ليبيا. لا بل ان تدحرج الانظمة العربية الواحد تلو الآخر بدا اكثر مما يمكن ان تتحمله الدول الغربية من تغيير دفعة واحدة ولو ان ذلك يعني تغييرا شاملا لمنطقة الشرق الاوسط. يضاف الى ذلك وجود اصدقاء له اكثر بكثير مما للنظام الليبي يمكن ان يدافعوا عن بقاء نظامه في وجه اي اجراءات عقابية كتلك التي استهدفت ليبيا. وتقول هذه المصادر ان الاضطرابات في سوريا بدت اكثر إقلاماً للدول الغربية من تلك التي تحصل في ليبيا نظرا الى التعددية الطوائفية التي تقوم عليها وما يمكن ان يعنيه ذلك، على عكس ما كانت الحال بالنسبة الى مصر او تونس او حتى ليبيا مع مشهدين في الذاكرة للحرب في لبنان والحرب في العراق لجهة تعدد الطوائف في كليهما. وقد شكل الموقف الذي اعلنته وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون يوم الاحد 27 آذار، اي في الايام الفاصلة بين البشرى التي قدمتها شعبان والخطاب الذي ألقاه الاسد في مجلس الشعب، اشارة مهمة جدا بالنسبة الى الرئيس السوري لانه يشكل معيارا يمكن قياس الامور على اساسه. اذ فيما قالت كلينتون ان "من التقى الرئيس السوري من اعضاء الكونغرس الاميركي خرجوا بانطباع انه اصلاحي"، فقد راج على نطاق واسع اختصار الموقف الاميركي التي عبرت عنه كلينتون بانها قدمت دعما قويا الى الاسد بصفته اصلاحيا. وعلى رغم ان هناك تمايزا بين الامرين الا ان كلام كلينتون لم يفهم في اي حال على ان ثمة رغبة اميركية في التعاطي مع الاسد على انه قذافي آخر في حين ان التنديد بقمع المتظاهرين وقتلهم هو امر مبدئي لدى الغربيين في الوقت الذي سعى الاسد الى التنصل منه وانكار مسؤوليته عنه والاستعداد لمعالجته وفق ما فهم من كلامه في الحديث عن درعا او الضحايا التي سقطت برصاص قوى الامن السورية.
وتقول هذه المصادر ان هذا لا يعني ان الدول الغربية تفضل نظام الاسد على نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك لكنها تخشى عدم وجود بدائل كما هي الحال في مصر بسبب عدم وجود معارضة منظمة او احزاب او حتى جمعيات وصحف حرة، وكلها كانت موجودة نسبيا في مصر وحتى لاختلاف طبيعة جيش يمكن الاعتماد عليه من اجل تشكيل مرحلة انتقالية كما حصل بعد مبارك وذلك لاعتبارات تتصل بالتعددية الطوائفية الموجودة في سوريا. وعلى رغم اعلان الدول الغربية انها ترحب بالديموقراطيات في المنطقة، فانها لا تشعر بنفسها مؤهلة للتعايش مع اسلاميين يصلون الى السلطة وربما يشكلون خطرا على اسرائيل. ولذلك لا ترى هذه المصادر في كلام الاسد عن مؤامرة تستهدف سوريا اكثر من شعار للاستهلاك الداخلي السوري وربما العربي. علما ان الشعار نفسه استخدمه القذافي كما استخدمه مبارك ورؤساء عرب آخرون في حين ان اسرائيل نفسها وفق ما يعبر مسؤولوها وصحافتها لا ترغب في اطاحة الاسد عبر الاحتجاجات الداخلية وتفضل بقاءه. والوضع نفسه ينسحب على الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية المنشغلة كل منها بهمومها الخاصة لكن مع اصلاحات جذرية ترى هذه الدول انه من الضروري ان يجريها الرئيس السوري ومن الافضل ان بفعل ذلك بإرادته وليس تحت الضغط الذي يمكن ان يتعاظم من دون معرفة الى اين يمكن ان يؤدي، باعتبار ان خيار التغيير بات حتميا أياً يكن حجم التظاهرات، ولم يعد في الامكان العودة الى الوراء سواء نجح الاسد في قمع التظاهرات أم لا.