#adsense

بين “التدخّل الإنساني” وعراق آخر

حجم الخط

لا شك في ان المنحى الذي اتخذته الاحداث في ليبيا بدأ يفتح الباب امام احتمالات تورط عسكري غربي اوسع في هذا البلد مع عجز المتمردين عن حسم المعركة ضد القوات الموالية لمعمر القذافي. وبعدما كان الحديث يتركز على التزام دقيق بتفويض قرار مجلس الامن الرقم 1973 الذي ينص على فرض منطقة حظر جوي لحماية المدنيين الليبيين، ينتقل الحديث اليوم الى مسألة مد المعارضة الليبية المسلحة بالعتاد كي تستطيع الوقوف في وجه قوات النظام او لتمكينها من الزحف على طرابلس لاسقاط القذافي بالقوة.

وشيئاً فشيئاً، تجد القوى الغربية نفسها وهي تنزلق في الرمال الليبية الى حدود التورط المباشر في عملية إطاحة القذافي على عكس ما جرى في تونس ومصر حيث اكتفى الغرب بدعم معنوي للمحتجين ضد نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك.

ومع تطور العمليات العسكرية، ينفتح المشهد على عراق آخر وليس على نموذج مصر او تونس. ويتضح ايضاً ان القوى الغربية في استطاعتها ان تبدأ عملية عسكرية، لكن ليس في استطاعتها التحكم بالطريقة التي يمكن ان تنتهي اليها.

فماذا لو لم يحل حظر الطيران او امداد المتمردين على حكم القذافي بالسلاح دون استمراره في الحكم او السيطرة على اجزاء من ليبيا؟ هل يقبل الغرب بتقسيم البلاد امراً واقعاً؟ ام يتخذ خطوة اخرى نحو التدخل البري الذي سيبدأ اولاً بارسال مستشارين عسكريين لتدريب المتمردين على استخدام السلاح الذي سيزودهم به ليكون ذلك فاتحة لارسال جنود في ما بعد في حال أخفقت المعارضة في إطاحة النظام؟

والغرق في الرمال الليبية بدأ يملي على الغرب نمطاً جديداً في التفكير حيال الاحتجاجات الاخرى الجارية في دول عربية أخرى. إذ انه ليس سهلاً اعتماد الطريقة التي اعتمدت في ليبيا في دول اخرى لأسباب كثيرة منها عدم قدرة الغرب عسكرياً على فتح جبهات جديدة داخل العالم العربي من أجل فرض التغيير، ولأن تجربة فرض التغيير بالقوة افضت الى ما أفضت اليه في العراق وافغانستان.

ومع تعثر المضي في التغيير والاصلاح على النمط التونسي والمصري، وبدء الهجمات العسكرية على ليبيا، عادت الولايات المتحدة لتواجه معضلة التورط العسكري في الخارج من اجل تغيير الانظمة مع ما تحمله التجربة العراقية من عناصر غير مشجعة. أما اوروبا وتحديداً فرنسا فإنها تواجه تجربة جديدة في هذا المجال باعتبار ان بريطانيا شريكتها في ليبيا سبق ان شاركت مع واشنطن في الحرب على العراق عام 2003.

والمراوحة الليبية كفيلة بنقل كل عملية التغيير والاصلاح في العالم العربي الى أخرى ستبدو فيها القوى الغربية وكأنها هي من يفتعل الاحداث كي تتدخل عسكرياً وتفرض هذا النظام او ذاك. وعندما يدافع الغرب عن نفسه بأنه كان مجبراً على التدخل في ليبيا من منطلق انساني كي يمنع مذبحة في بنغازي وكي لا يتكرر المشهد الرواندي او مشهد سربرينتشا في البوسنة في تسعينات القرن الماضي فإن ذلك يبقى مفهوماً ومستساغاً لدى الرأي العام الغربي. لكن المخاوف من ان تتطور الامور الى تدخل عسكري بعيد المدى هو الذي يثير الاسئلة الان بإلحاح سواء في الولايات المتحدة او في الدول الاوروبية التي تقوم بدور رئيسي في عملية "فجر الاوديسا".

ولا يبدو دفاع اوباما عن مبدأ التدخل الانساني مقنعاً لمن يسأل في الولايات المتحدة عن جدوى الدخول في عمليات عسكرية من دون افق زمني محدد او من دون افق سياسي واضح المعالم. والمتساءلون ليسوا أقل حماسة للاصلاح والتغيير في العالم العربي، لكنهم يرون النتائج المريعة التي عادت بها سياسة "بناء الامم" في عهد جورج بوش الابن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل