فيما تجتاح الاحتجاجات الشعبية مدن سوريا وقراها، يبدو المشهد السياسي في لبنان كأنه توقف عند التوقيت السوري، أو قل عند توقيت الحكم في سوريا. فتوقف عجلة التأليف الحكومي واضح في مغازيه البعيدة، وتعثر التوفيق بين المطالب المتعارضة في إطار المحاصصة ايضا جلي في خلفياته الحقيقية، وكأن احدا من الافرقاء المقررين غير قادر على ان يخطو خطوة واحدة الى الامام. وبالتالي فإن المسعى الجدي لدى بعض القوى التي راهنت كثيرا على الاسراع في تشكيل الحكومة صار اكثر صعوبة وتعقيداً، بالرغم من الرسائل التي انهالت على اركان الحكم في سوريا ناصحة بتدخل جدي ينهي المراوحة على قاعدة ان الاسراع في تشكيل حكومة يحمي ظهر الحكم السوري في لبنان في مرحلة "التحديات" التي يواجهها، كما يحمي اصحاب الخيار المتحالف مع سوريا و"حزب الله".
في مطلق الاحوال، فإن المعطيات تتبدل بسرعة فائقة. ونجيب ميقاتي اول من يدرك. فهل يريد رئيس الحكومة المكلف الذي أتى بالطريقة التي أتى بها، ولما يستتب له الامر حتى في بيئته المباشرة، ان يشكل حكومة لها مرجعيتان ثقيلتان في الوقت الراهن "حزب الله" والحكم في سوريا؟ هل يستطيع ميقاتي الطامح الى ان يكون عضوا دائما ومرموقا في نادي رؤساء الحكومات ان يشكل آخر حكومة له في حياته السياسية؟ وهل فعلا في مقدوره ان يتحمل الضغوط التي ستنشب في وجهه في لحظة داخلية ترتفع فيها المواقف الرافضة لسلاح "حزب الله" من جهة ولحظة اقليمية تاريخية مع التحولات الكبيرة التي ستصيب الواقع السوري من جهة اخرى؟
ان مصلحة نجيب ميقاتي الصريحة تقضي منه البحث عن مخارج للتخلص من الهدية المسمومة التي ارتضى قبولها (او سعى اليها بتسرع). كما تقتضي من الاستقلاليين التفكير في فتح كوة في جدار العلاقة معه لمساعدته لاحقا على الخروج من مأزق يتجاوزه.
ان مجرد التفكير في تشكيل حكومة يكون محركها المحلي "حزب الله" الملاحق والمطارد والممنوع دوليا، ومظلتها الحكم السوري الذي يسقط أهله في ساحات المدن وشوارعها وصحون المساجد، هو خطأ جوهري. فهل من الاجدى ابقاء القديم على قدمه؟