لا يعرف الشوق إلاّ مَنْ يكابده. ولا يعرف وطأة الظلم إلا مَنْ يقع عليهم ويعيشون في أقبيته. ولا يعرف ماذا يعني أن يكون نظام الحكم فرديّاً ديكتاتوريّاً إلاُّ مَنْ يمضي إثنين وأربعين سنة تحت خيمة نظام العقيد معمَّر القذّافي.
من هنا كان ترحيب السواد الأعظم من الليبيّين بقيام تحالف دولي مهمته حماية المدنيين من شرور نظام القذّافي.
ولدى سؤال عدد من الليبيّين عن رأيهم في هذا الامر، كان جوابهم واحداً تقريباً، وخلاصته "أن ما يهم الشعب الليبي المقهور هو الخلاص من حكم الطاغية الذي جعل بلداً طيباً مسالماً سجناً مظلماً، الداخل اليه مفقود والخارج منه مولود. ونادراً ما خرج منه أحدُ سالماً".
لم تتوافر الظروف الملائمة بعد ولا الأجواء المناسبة للتطرُّق، بالبحث والوقائع والتفاصيل التي تقشعر لها الأبدان؟، الى الجانب الانساني في ظل حكم القذّافي. أو الجانب الاجتماعي والحياتي والصحي. أو الجانب الخدماتي والمعيشي، وحقوق الانسان، وما اذا كانت العدالة والمساواة قد مرَّتا في هذا البلد الذي يشبه القارة، والأقرب الى المنفى، والذي لا يختلف عن بلاد الأهوال في الأساطير.
على هذا الأساس يمكن التعامل مع شمولية الغضب والنقمة لحكم القذّافي، وتالياً التمعُّن والتأمُّل في حركة الانفكاك، والتفلُّت، والانشقاق، والانسحاب من الحلقة الضيقة حول "القائد الأبدي"، الذي لم يكتف بمصادرة ليبيا بكل المعاني والأبعاد، ولأربعة عقود، وحرمانها أبسط التطورات التي تنعَّمت بها البشريَّة جمعاء… حتى في أفريقيا المحرومة، جارة ليبيا المخطوفة.
ولكن، لا يزال اللغز الكبير في حاجة الى من يفك رموزه ومتونه: فماذا وراء التردُّد الغربي، والتباطؤ الغربي، والتغاضي الغربي، فيما الآلة العسكرية الفتاكة للقذافي تواصل نهشها للابرياء ولكل ما هو فوق الأرض وتحت الرمل؟
متعددة هي التحليلات، والمطالعات، والآراء التي أبديت. إلا أن "السر الحقيقي" المقيم في مكان ما من الشرق الأوسط لا يزال بعيداً من متناول المحلّلين والخبراء وسواهم.
ربما انكشف هذا السر "العظيم" بعد جلاء شبح القذّافي عن جوهرة عمر المختار.