يشكل اولئك الذين يقفزون من سفن الأنظمة العربية العالقة في "تسونامي" التغيير او تلك المشرفة على الغرق، ظاهرة طبيعية تتصل بغريزة حب النجاة. وهي من حيث الشكل، تبدو ضرورية ومفيدة في آنيتها المتصلة بتداعي الأنظمة الديكتاتورية، لكنها قد تصبح عالة مضرة تشوّه التغيير وقد تنسفه في المستقبل.
في هذا السياق، يبدو امين اللجنة الشعبية للمكتب الشعبي للاتصال الخارجي والتعاون الدولي المنشق موسى كوسا، الذي لجأ الى لندن، نموذجاً صارخاً عن ذلك الشيطان، الذي يريد أن يقفز من المشاركة في ادارة الجحيم، الى الاستراحة في الجنة، او بالأحرى من الغرق الى بر الأمان.
ان المثير في هذا الامر، هو من جهة الايجابية المفيدة التي تتمثل في ان خروجه من او على الدائرة الديكتاتورية المتوحشة لنظام معمر القذافي، سيعجل في انهيارالنظام او في تآكله من الداخل. لكن هذه الأيجابية قد تصير مؤذية او حتى مدمّرة في المستقبل، اذا استطاع ان يجلس في عربة التغيير او اذا وجد لنفسه دوراً في النظام الجديد. وحتى اذا لم تتم محاسبته عن ماضيه الكريه وعن جرائمه المعروفة، فإن هذا الأمر من شأنه ان يشوه معنى التغيير وصورته.
يشكل موسى كوسا هنا نموذجاً صارخاً. وهناك امثال له في تونس وفي مصر وفي اليمن وأينما تصل موجة التغيير في الدول العربية. ومن خلال التجربة اللبنانية البائسة بعد الحرب، وقيام "اتفاق الطائف"، نحن نملك خوفاً مشروعاً وعميقاً من ان يتحوّل "ابطال الحرب" الذين صنعوا الشرور والمآسي "ابطال السلام" الذين تنبت اجنحة الملائكة فوق اكتافهم، فمن المعروف والمؤسف طبعاً، ان الكثيرين عندنا في لبنان غادروا المتاريس ليرتدوا الياقات البيض في مراتب السلطة، لكنهم نقلوا معهم الحرب من الميدان الى ساحات المعارك السياسية. وهذه المهزلة قد نشهدها غداً في اكثر من بلد عربي يهلل الآن للتغيير!
صحيفة "الدايلي تلغراف" البريطانية كتبت اول من امس، ان موسى كوسا سيتحول شوكة سياسية مؤلمة في خاصرة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، لأنه كان العقل المدبر للعمليات الارهابية التي نفذها القذافي، وخصوصاً عملية تفجير طائرة "بان آم" فوق لوكربي. واذا كان صحيحاً ان وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ اعلن ان حكومته لم تمنح الحصانة من المحاكمة لكوسا، فإن خروج الاخير على نظام القذافي كان بمثابة سقوط حجر الوسط في عقد الديكتاتورية، بما قد يعجّل في انهيار النظام وهو ما قد يفتح كوّة خلاص لكوسا لا تعفيه من المحاسبة عن ماضيه الارهابي فحسب، بل قد تساعده في تطبيق "النموذج اللبناني" المعيب والفاضح الذي اشرنا اليه ليصبح غداً، واحداً من شخصيات التغيير في ليبيا بعدما كان مهندس الارهاب عند القذافي!
❑ ❑ ❑
واذا كانت ذاكرة التغيير مثقوبة، سيكون من السهل على القتلة الانتقال من جحيم الشرور الى جنة الطهارة. كل ذلك لسبب جوهري هو ان الديكتاتوريات العربية تمنع وجود بدائل تساعد على قيام تغيير حقيقي وسريع!