#adsense

المصارف اللبنانية…على مفترق طرق!

حجم الخط

كتب ماجد منيمنة في صحيفة "اللواء":

تصدر الإعلام اللبناني والعالمي موضوع طلب الولايات المتحدة لبرنامج هيكلة سريعة للقطاع المصرفي اللبناني لجهة التشدد الدولي بهذه المطالبة تحت بند مواجهة التحديات المستجدة وحسب مقترحات بازل 3 لتعزيز نـسبة الموارد الذاتية للبنوك واحتياطياتها، الذي يعتبر من أهم المعايير المعتمدة لقياس المتانة المالية للمؤسسات المصرفية، ولتثبيت القوانين المصرفية التي بات معمولاً بها في دول القرار وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية والمجموعة الاوروبية، وهي القوانين ذات الصلة بمكافحة عمليات تبييض الاموال ومكافحة الجرائم المالية الأخرى كما تفاجأ حاكم مصرف لبنان لدى زيارته الأخيرة الى الولايات المتحدة، بالطروحات المقدمة من القيادات القضائية المالية الأميركية والتي ابدت رأيها الخاص بالمصارف اللبنانية المتهمة بتبييض الأموال، وسرعان ما ترجمت هذه الملاحظات باهتمام لبناني لعملية الدمج المصرفي كإحدى الوسائل للمعالجة السريعة لهذه الإتهامات وخطوات جبارة نحو تفادي أزمة مصرفية بصفة خاصة وكمخرج للمصارف المتعثرة لمعالجة مشكلة المديونية الداخلية والخارجية بصفة عامة. كما إقتنعت السلطات النقدية والمصارف التجارية المحلية بأن عملية الدمج هي العلاج الناجع للكثير من المشاكل المصرفية الراهنة وعلى رأسها تدني ربحية المصارف واضمحلال قواعدها الرأسمالية وضعف قدرتها على المنافسة العالمية، ومواكبة الاصرار الدولي على ايقاف بحزم جميع عمليات تبييض الأموال عبر المصارف ودحضه كما حصل تماماً في دبي، مما عرض كيان الدولة ومؤسساتها للانهيار الكلي والإفلاس المالي.

و هنا علينا ان نتذكر بأن القطاع المصرفي في لبنان يلعب دوراً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، فهو يستقطب الودائع ويمول العمليات التجارية والاستثمارية العامة والخاصة ويساهم في شتى مشاريع التنمية من خلال تمويل القطاعات الاقتصادية المختلفة ويدعم سياسات الدولة الاقتصادية. ومنذ سنة 1992 سجل الإقتصاد الوطني تطورات ايجابية كبيرة وتجاوزت ميزانيات المصارف المجمعة 130 مليار دولار، وثبتت ودائعها الى نحو 107 مليارات دولار، لتشكل نحو ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد حيث ان الناتج المحلي بلغ اليوم نحو 36 مليار دولار ويقدر له ان يتجاوز 42 ملياراً بنهاية العام 2011. وعلى الرغم من تقلص عدد المصارف العاملة من 73 الى 66 مصرفاً كنتيجة لعمليات الدمج بين عدد من المصارف، فان الشبكة المصرفية قد توسعت بشكل كبير في الداخل، حيث بلغ عدد الفروع المصرفية نحو 900، ويعمل فيها اكثر من 21 الف موظف. كذلك توسعت المصارف في الخارج واصبحت منتشرة في أكثر من 30 دولة و70 مدينة، وبعدد من الفروع تجاوز 255 فرعاً. فقد استطاعت المصارف من التوسع في حجم موجوداتها ومطلوباتها التي بدأت متدنية في مطلع التسعينيات، لتسجل قاعدة الودائع نمواً مضطردا ارتفع من 9 مليارات الى 110 مليارات دولار، ليتم تصنيف حجم هذه الودائع في العالم العربي بالمرتبة الرابعة بعد الإمارات العربية، السعودية ومصر.

ومن الجانب الآخر نجد أن ظاهرة الدمج المصرفي قد برزت في أميركا وأوروبا في عام 1993 لمواجهة الاحتياجات المحلية والتحديات التي يتعرض لها العمل المصرفي، ولعل أهم هذه التحديات كان صغر حجم الوحدات المصرفية، حيث كان يمثل ذلك عائقاً لقدرتها على إرساء صورة عالمية لنفسها وتطور تقنيات المعلومات وسقوط الأنظمة المقيدة للتدفقات المالية مما انعكس على المنافسة في الأسواق المالية العالمية. لذلك أصبح من الضروري أن تأخذ المصارف بأسلوب الدمج المصرفي كأحد الوسائل لمواجهة هذه التحديات على أن يكون الدمج طوعياً وليس قسريا> ونعني بالأخير الدمج الذي قد تلجأ إليه السلطات النقدية لتنقية الجهاز المصرفي من المصارف المتعثرة والتي هي على وشك الإفلاس والتصفية وغالباً ما يتم ذلك عن طريق قانون تشجيع المصارف على الاندماج لقاء إعفاءات ضريبية أو عن طريق تزويد المصارف المدمجة بالقروض الميسرة لقاء تعهده بتحمل كافة الالتزامات المالية التي تلحقه.

و على الرغم من أهمية الدمج المصرفي وجدواه إلا أنه لن يرتقي إلى مستوى الحل السحري لكافة التحديات التي تواجهه على الصُعد الوطنية والإقليمية والدولية الا من خلال النظر إليه ضمن استراتيجية الإصلاح التي تستند إلى هيكلة الأجهزة المصرفية من الداخل مما يؤدي إلى رفع كفاءة الرقابة المصرفية وإعادة تنظيم العمل المصرفي وتدعيم الملاءة المالية وتطوير التشريعات المصرفية وتحديث الإدارات المصرفية وغيرها من الأسس والمرتكزات لأداء مصرفي سليم. وتأتي أهمية الدمج المصرفي لإعادة النظر في مسيرة القطاع المصرفي فيما يتعلق بتبعثره وصغر حجم المؤسسات المصرفية والتي لن تقوى على مواجهة التكتلات المصرفية الضخمة. ومن هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في تقليل عدد هذه الوحدات عن طريق الدمج فيما بينها. ويجب ان يكتسب هذا الموضوع أهمية متزايدة وخاصة ونحن ندخل عصر التكتلات الاقتصادية الكبيرة بين دول غنية متقدمة كدول أوروبا الغربية والولايات المتحدة التي رأت في الاندماج قوة ووسيلة للاستمرار نحو التقدم والنمو، فهي تشجع مؤسساتها المصرفية على الاندماج بسبب ما ينتج عنه من ايجابيات وعناصر قوية للمؤسسات المندمجة وخفض النفقات فيها، وتدعيم لراس المال، مما يؤدي إلى زيادة فاعلية المؤسسات المندمجة إضافة إلى تعزيز مركزها التنافسي، كما يؤدي إلى زيادة الأرباح دون الخروج عن مبادئ العمل المصرفي السليم وكما يهدف إلى إنقاذ المؤسسات الصغيرة والضعيفة من التلاشي في ظل وجود المؤسسات العملاقة محلياً وإقليميا ودوليا.

كما تدور أهداف ومبررات الدمج المصرفي حول محاور رئيسية يأتي في طليعتها توقع أرباح إضافية تنتج عن عمليات الدمج، لأن ما يحمل مصرفين على الاندماج فيما بينهما هو أن تفوق معه أرباح المصرف الجديد وذلك عن طريق جمع أرباح كل من المصرفين على حدة أو أن ترتفع قيمة الأسهم في المصرف الجديد أو الاثنين معاً. ويعتبر الدمج المصرفي أحد أسباب نمو القطاع المصرفي في العالم حيث تفيد احدى الدراسات المصرفية أن خمسة عشر مصرفاً من أكبر عشرين مصرفاً أميركيا هي ناتجة عن عمليات الدمج، أما الوسائل الأخرى للنمو فهي تعتمد على النمو الداخلي والقدرات الذاتية للتوسع لدى المصارف. كما ان هنالك عاملان رئيسيان ذا علاقة بالدمج المصرفي أولهما التعثر المصرفي وثانيهما ما يسمى الإنتشار المصرفي الزائد بالإضافة إلى الفساد والانحراف الإداريين. ويطرح الأميركيون بأن عدد المصارف اللبنانية وهي 66 تعد نسبة عالية لعدد سكان الوطن الذي لا يتجاوز 4 ملايين نسمة، كما ان عددها يعتبر مرتفعا> بالنسبة لحجم النشاط الاقتصادي مقاساً بالدخل القومي وحجم التجارة الخارجية. وفي ظل بروز هذه الدعوات ومع ازدحام الإقتصاد العالمي بعدد كبير من المؤسسات المصرفية والتي لا تنسجم مع حجم هذه الاقتصاديات، جاءت هذه الدعوات إلى عمليات الدمج كوسيلة رئيسية من وسائل تقوية الأجهزة ورفع مستوى أدائها. وكما أن التطور الاقتصادي العالمي وتطور متطلباته من حيث حجم التمويل وتنوع أدواته، فان ذلك يتطلب مؤسسات قوية تكون قادرة على خدمته مالياً وفنياً وإداريا خصوصاً في ظل النقص الكبير في حجم رؤوس الأموال في الأجهزة المصرفية وتدهورها بشكل لا يسمح بتلبية مثل هذه المتطلبات. وكذلك من اجل السلامة المالية للجهاز المصرفي لتفادي هزات مصرفية قد تضعف الثقة في الجهاز المصرفي فيما لو تركت بعض المؤسسات لتلاقي مصيرها بالإفلاس والتصفية. وهذه كلها دوافع قوية تحث السلطات الحكومية والنقدية على الإقدام على إجبار مثل هذه المصارف المخالفة والمتعثرة على الدمج، فسلامة الجهاز المصرفي وقوة جهازه تعتبر ضمانة ضرورية لدعم الاقتصاد الوطني.

ولكن علينا ايضا "ان نعي ان هنالك عيوبا في الدمج المصرفي والتي تتمثل في تخفيض العمالة، الأمر الذي يرفع من حجم البطالة وبالتالي يؤثر سلباً على كل من السوق المالي والإجمالي للناتج القومي هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى، وفي حال عدم إجراء الدراسات المتأنية فهذا قد يؤدي الى احتكار القلة من المصرفيين لأسواق المال وهذا يضعف المنافسة اللازمة وبالتالي يؤدي إلى تدني الخدمة المصرفية المقدمة والتحكم في شروطها مما ينعكس سلبا" على اركان الاقتصاد الوطني. ولتلافي ذلك يجب أن ندرس قدر الإمكان الحجم الأمثل للمؤسسات التي نرغب بوجودها بعد الدمج وان ندرس أيضا المؤسسات الموجودة قبل الدمج من حيث مقدرتها على البقاء والمنافسة الشريفة.

إن تحقيق هذا البرنامج والوفاء بكل المتطلبات الواردة، لا يعتمد في تنفيذه على مصرف لبنان فقط بل يعتمد على جدية البنوك ومدى تفهمها لمحتوى ومضامين ما ترمي إليه لجنة بازل. ومن هذا الإطار تتعاظم الأدوار في هذه المرحلة لتتجاوز البنوك العقبات التي تعترضها والعبور إلى المراحل المتقدمة أسوة بالمصارف العالمية التي قطعت شوطاً بعيداً بالوفاء لهذه المعايير.

لذلك أرى أنه إذا اقتضت المصلحة العامة الحقيقية، دمج وضم بعض المصارف اللبنانية لبعضها البعض وحسب الرؤية الوطنية التي تخدم المصلحة العامة وليس بمنظار المنظرين الماليين الدوليين، التي لديهم غاية في نفس يعقوب، وتمشياً مع ظروف العمل المصرفي الجديدة، فمن الضرورة الماسة الحفاظ على الدور الرائد لهذه المصارف من خلال السرية المصرفية وتنمية هذا الدور بشكل دائم، بما يوسع من حجم عملها عما كانت عليه، ويؤدي لرفع ثقة المواطن والمؤسسات بها. وحكما هذا سوف يرفع من قيمة ونسبة الإدخارات الاستثمارية عبرها، ومن قيمة ونسبة القروض التي تمنحها، والتسهيلات مشجعة للقروض الاستثمارية، وعندها سوف تمنح هذه المصارف التجارية مرونة في العمل من قبل المصرف المركزي، بحيث تستطيع أن تمنح أكبر فائدة للمودع وبتراتبية تصاعدية تبعاً لقيمة ومدة المبلغ المودع ويتم الإقراض بأقل فائدة ممكنة للمواطن المقترض، ولا أن تنحصر هموم هذه المصارف التجارية بالتباري فيما بينها ارقام الودائع في ميزانيتها بآخر السنة، ولا عن اي رئيس مجلس ادارة سوف يدفع اكثر لتوضع صورته على مجلة اقتصادية عربية، لرفع شأنه الإجتماعي، وابراز صورته الإعلامية ولتعزيز ثقة ومكانة هذا المصرف أو ذاك من خلال تحليلات ومعلومات واحصائيات غير دقيقة لجني المليارات من الأرباح وجمع اكبر كم من الودائع وارباح سندات الخزينة، ولكن المطلوب منها أن تتبارى فيما بينها بالمزيد من الخدمات التي تقدمها للمودع والمقترض، بحيث تجذب المدخرين لديها لتحافظ على اموالهم وتنميها، لا أن تبقى شريحة من طالبي القروض ممنوعة عنها ولا أن يبقى بعضها حبيس الصناديق المالية الضيقة، بل ان تسعى الى العمل على ابتكار مشاريع تجارية بناءة للإقتصاد الوطني بدلا> من ترك هذه المليارات مجمدة دون حراك، وبمردود يسمح بتحقيق ارباح ريعية تضمن استمرارية عملها، وانفتاحها على الاسواق المالية المحلية، وان تضع استراتيجيات لادارة النمو في اطار تطلعات اكثر شمولية لنشاطها وخدمات عملائها ليشمل بذلك النطاق الاقليمي والدولي.

هذا واننا على ثقة بان التخطيط لادارة النمو من قبل مصارفنا الوطنية في المنطقة لن يكون بمعزل عن تقديرات هذه المؤسسات الدولية ولا لأهمية الدور الملقى على عاتقها في خدمة الاقتصاد الوطني والمجتمع المحلي، آخذة بالاعتبار ان هذه المصارف قد نمت وتطورت داخل هذه الاقتصاديات والمجتمعات المحلية، ومنها صعدت وعلت واليها تعود!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل