لا يملك المعني بالشأن العام أن يتغاضى عن لغة العصر، وأن يستمر في اعتماد مصطلحات عتيقة من زمن مضى لتسيير شؤونه الراهنة، فالزمن لا يرحم، وآلياته طاغية ولا طغيان يعلوها.
قديماً كانت الكلمة تسرح عابرة للحدود والتواريخ والأيام والسنين… كانت تأخذ وقتها، لكنها تصل وتقيم في مكانها بحسب مقامها ورفعتها، وتتناقلها القبائل والعشائر والشعوب، وتحفظها وتدوّنها على ورقة أو حجر أو في ذاكرة لا تنضب…
وقديماً كانت الكلمة السندان الأول. منها تتفرع المكرمات، ومنها تتفرع المواجهات، ومنها تتفرع تغييرات لا تمحى ولا تندثر.. في موازاتها كانت العمارة والبنيان، لكنها ظلّت أقوى من الصخر والريح.. لم يعلُ عليها مقام ولم يقهرها شيء من أخبار الزمان. لا الكوارث ولا الحروب، ولا الجفاف، ولا اليباس، ولا الطوفان، ولا الزوغان، ولا الزلازل، ولا الأعاصير… سرحت أقوى من كل سيف وبطش ومن كل نار وحديد ومن كل وغى وساحة ونزال!
في البدء كانت وما زالت. ومنها تفرع دين الله الى ناسه، ناقلاً إياهم من حال الى حال، ومن عتم الى نور، ومن جهل الى علم ومن ضياع الى رشد، ومن عتهٍ الى عقل…
في الزمن الغابر كان التدوين. في الزمن الحاضر جاء النقل، وفي ذلك جاءت الحداثة لتتمّم مكارم الكلمة لا أن تلغيها. ترفدها ببساطة الرؤية، وتهشّم في حالات كثيرة دواعي السرد والشرح والإمعان في التفسير والتحليل.. آلية مرادفة للتطور ولمسيرة العلم ولولوج الإنسان مراحل الآلة المتفوقة على ذاته وعقله "البسيط".
في لغة العصر، إن الإغلاق صار عصياً، وإن الإقفال صار مستحيلاً، والكلمة التي عبرت الحدود والبحار والتاريخ صارت مسنودة بتقنية عابرة للفضاءات والسماوات… سرحت على الأرض، لكن الصورة تسرح في الفضاء، تلوّن الكون، و"تطرش" سواده بالضوء والأبيض، وتطرد عتمته بكواشف الإبهار الموازية والمحاذية لنور شمس لا تنطفئ ولا تذوي ولا تذوب ولا تموت.. إنما تدور في مستقر لها. وعندما يحين الأجل ينتهي كل شيء!
وفي لغة العصر، حكايات غير مألوفة في ما مضى. حيث الناس كانوا أنفاراً متفرقة مبعثرة في البراري والسهول والصحارى والأودية والجبال، كلما وجد عشرة منهم واحة مياه أقاموا فيها وبنوا وعمّروا وعاشوا وتناسلوا وتكاثروا وصاروا قبائل وعشائر وشعوباً ومدناً ودولاً كثيرة وكبيرة!
في لغة العصر، حكايات كثيرة يختصرها فرد واحد. في يده آلة صغيرة. في رأسه أحلام كبيرة. في قلبه آمال أكبر وشجاعة بحجم الجبال. وفي لغة العصر لا مجال للإقصاء، ولا مجال للربط بالشجر ولا الرمي بالحجر… إنما صورة وصوت وكلمة واحدة اسمها العصر، ولهذه ترجمة وحيدة اسمها الحرية!