قدم الدكتور نبيل خليفة مداخلة جيوبوليتيكية قيّمة في كلمة له خلال احتفال ذكرى حل حزب القوات اللبنانية عرض فيها لتاريخ لبنان والموارنة.
وتوجّه الى القواتيين بالقول "ضعوا يدكم على المحراث ولا تتطلعوا الى الخلف"، تجنبوا هدر الوقت في المهاترات التي يطلقها البعض قصداً بهدف الهائكم واخفاء خطيئته الكبرى الاستراتيجية بالتخلي عن المسألة الوطنية وتحويل قسم من شعبنا الى قوة تعطيل لا الى قوة فعل ايجابي في المعادلة اللبنانية. وحاذروا في هذه المرحلة الدقيقة كل اساليب السخرية والشماتة باية جهة قريبة او بعيدة. ان قوتكم الحقيقية هي قوة ايمان نفسية ومعنوية واخلاقية قبل كل شيء. وفي مثل هذه الظروف والاحوال والاحداث يبان معدن الرجال الرجال. فقوة الشعوب هي قبل كل شيء وبعد كل شيء في روحها. واهم رسالة لهذه الروح هي وضعها في خدمة الحرية. ذلك ان اعظم المقاومات في التاريخ واكثرها ثباتاً وشرعية واستمرارية ونبلاً هي المقاومة من اجل الحرية. وليكن شعاركم الدائم قول بولس الرسول " ان الشدة تلد الصبر، والصبر يلد الرجاء والرجاء لا يُخيّب صاحبه".
وفي ما يلي كلمة خليفة كاملة:
الأخوات والاخوة الأحباء، تدركون ولا شك مدى محبتي لكم جميعاً، مناضلين ومجاهدين وفي المقدمة الصديق الحكيم الذي يستشعر عمق محبتنا له وتقديرنا لنضاله: مؤمناً ومفكراً ومقاتلاً دفاعاً عن حق اللبنانيين في الوجود والحرية. ومع ان هذه المناسبة تتميز بطابع وجداني عاطفي، ان من حيث ذكرى اعتقال الحكيم أم من حيث حلّ القوات اللبنانية في زمن القهر والاضطهاد، اسمحوا لي ان تكون شهادتي امامكم الليلة شهادة تأمل. لا تأملاً في الماضي فقط بل حول الحاضر وخصوصاً حول المستقبل، مستقبل لبنان واللبنانيين.
لقد سألت نفسي عندما دُعيت لأقول كلمة امامكم: ما هو افضل شيء يتوجب علي ان أصارحكم به، وذكرت الشعار القائل : “pour vaincre, il faut convaincre” أي "لكي ننتصر او ننجح، علينا أن نُقنع". أي علينا ان نتوجه الى العقول اكثر مما نتوجه الى القلوب. وبناء عليه، اتوجه الى القوات اللبنانية كفصيل سياسي في عامية 14 آذار والى كل مكونات ثورة الأرز، بهدف تصويب وتعميق اهدافها وعقلنة مقارباتها فتعالج القضايا في الجذور لا في الفروع، وكي يكون دور القوات بالتضامن والتنسيق مع كل فصائل العامية اكثر فعالية واكثر مردوداً واكثر نجاحاً. واسمح لنفسي من موقع الفكر الجيو-سياسي ان اسعى الى تعميق الوعي السياسي بخصوص ما يجري عندنا وحولنا، ولكن من ضمن عناوين كبرى لا مجال للدخول في تفاصيلها!
التأمل الأول: ان المارونية، كما أكدت ادبيات الذكرى 1600 لمار مارون انطلقت من محفزات الاضطهاد لتبلور نواياها في الحرية وحفظ الذاتية وتأكيد الهوية ولتحدد هدفها بقيام كيانية سياسية تضمن الحرية وتحفظ الذات والهوية للموارنة ولكل المضطهدين، فكان لبنان – الكيان المركز والمعقل والمز الماروني بامتياز لأنه الجامع لمعاني العبادة والعطاء والدفاع من جانب ومركز الثقل centre de gravité لانتشار الموارنة في العالم ما لهذه الرمزية عبر التاريخ لسبب موضوعي تاريخي وهو "ان الكنيسة المارونية هي المؤسسة الاكثر ثباتاً واستقراراً واستمراراً في تاريخ الموارنة".
التأمل الثاني: يدور حول هذا اللبنان بالذات في وضعيته الدولاتية (etatique): شرعية قيامه، فهو حقيقة جغرافية وتاريخية كما يقول ويناضل مريدوه، ولا شرعية قيامه، فهو خطأ جغرافي وتاريخي وضعه الاستعمار كما يقول رافضوه في الداخل وفي الجوار. والصراع قائم منذ عشرات السنين حول من يريد ان يبقى لبنان في وضع المعلق بالمؤقت والظرفي ومن يريد ان ينقل لبنان الى وضع النهائي الثابت، وأهم شيء لتحقيق ذلك ترسيم حدوده ( لا تحديدها ولا تعيينها … فهي محددة ومعينة على خط القمم منذ العام 1920) حدوده البرية والبحرية كلها مع اسرائيل وسوريا وقبرص، ثم شرعيتها ليصح القول انذاك فقط انه وطن سيد حر مستقل. ان سيادة الدولة لا تقوم الا ضمن حدود مرسمة ومعترف بها من دول الجوار الجغرافي.
التأمل الثالث: اذا كان الموارنة، كما رأينا، هم جماعة الكيان اللبناني واهله ودعاته وحماته، فقد كان اللبنانيون السنة تاريخيا دعاة فكر الامة العربية بمختلف طبعاتها وايديولوجياتها. كانوا الى جانب الاخوة العربية اكثر منهم الى جانب الشراكة اللبنانية. وعلى ضوء ما يقوله محمد اركون فقد كسر رفيق الحريري قاعدة دولة الاخوة الموحدة والموحدنة، وعمل للدولة التعددية الميثاقية الليبرالية ذات العروبة الحضارية. فغلب الشراكة وحفظ الاخوة وخلق بحياته وخصوصاً باستشهاده معادلة جيوبولتيكية لبنانية جديدة: تقوم على تأكيد ميثاقية الحياة المشتركة المسيحية الاسلامية خياراً لا اضطراراً، وتثبيت وترسيخ الكيان اللبناني وفرض نهائيته بدينامية الملايين من جانب وقرار مجلس الامن 1559 من جانب آخر. ولذا كانت الحملة الشاملة لاسقاط هذا الرهان بدلالاته التاريخية كونه لحظة حاسمة ونادرة في تاريخ لبنان حسمت التوازن الى جانب السياديين.
التأمل الرابع: اذا كانت السياسة، كما يعرّفها راتزل "هي القدرة على التوقع "la politique est la prevoyance فما يحدث الان في المنطقة في وجه اساسي منه هو صراع شيعي –سني. هذه مسألة لم يعد من الجائز المكابرة فيها أو التستر عليها . ففي الثمانيات وبعد نجاح الثورة الاسلامية الايرانية بآفاقها الشيعية
نبهت الى مثل هذا الصراع وفي التسعينات حذرت في محاضرة لي امام مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك ( الربوة شباط 1994 ) حول مصير مسيحي الشرق من مخاطر هذا الصراع على المسيحيين وضرورة التنبه الى عدم الوقوع في شرك ما اسميته انذاك استراتيجية الفتنة التي تحاك بين المسلمين ، واليوم في دراسة جيوبوليتكية بمناسبة السينودس حول مسيحيي الشرق الاوسط أكدت على أمرين :
الاول : أن الاقليات المسيحية مدعوة لأن تكون على أفضل علاقة مع كافة المكونات المجتمعات التي تعيش فيها أكثرية وأقليات وسنىة وشيعة .
الثاني : لكن مشكلة الاقلية هي قبل كل شئ مشكلة الاكثرية . وبما أن الاكثرية الموصوفة في الشرق الاوسط هي عربية سنية ( بنسبة 69 بالمئة ) ، فإن الحل يكون مع العرب السنة. بما يفترض ، بل يستوجب معيّاً تاريخياً لدى الاكثرية والاقليات وخصوصاً لدى قادتها وأهل الرأى فيها واالى هذا الوعي أدعو القادة المسيحيين والمسلمين على السواء
ألتأمل الخامس : موجه الى كل مكونات الارز من خلال مشروعين نهضويين نتطرحهما للتفكر فيهما واستكشاف ابعادهما الوطنية والنهضوية والانمائية بما يخدم شبيتنا وبلدنا واقتصادنا .
أ – مشروع وطني لدراسة ثروات لبنان النفطية والغازية في المتوسط وقد كنّا اول من اطلقها بالمعنى الجيوبوليتكي في المؤلفات الاكاديمية والاعلام ، تمهيداً للمحافظة عليها واستغلالها وجعل ترسيم حدودنا البحرية جزءاً من ترسيم كامل حدودنا البرية والبحرية والعمل ضمن افضل معايير الجدية والعلمية والشفافية لاسغلال هذه الثروات ووضعها في خدمة شعبنا وشبابنا واقتصادنا وذلك بتكليف فريق من كبار الاختصاصيين وفي مختلف المجالات لدراسة هذا الموضوع ومتابعته في كل ابعاده ومراحله ومن المفضل تنسيق هذا العمل مع السلطات الرسمية وعلى رأسها فخامة رئيس الجمهورية
ب: المشروع الوطني الثاني لاستغلال مياه نهر ابراهيم الذي يكاد يعادل في تصريفه السنوي أنهر الحاصباني وبانياس واللدّان ( حدود500 مليون م3 ) تذهب هدراً الى البحر كل عام . والاقتداء ولو لمرة واحدة ، بالنموذج الاسرائيلس في استغلال مياه تلك الانهر الثلاثة من روافد الاردن من استخدام فاارق العلو لانتاج الكهرباء ومن ثم دفع المياه من جديد بفضل هذه الكهرباء الى خزنات عليا يمكن عبرها توزيع المياه في قنوات كبرى تستخدم للشرب والري وتخترق عندنا منتصف المنطقة الجبلية لاقضية جبيل والبترون والكورة شمالاً ، وكسروان والمتن وبعبدا جنوباً ، بعلوّ يتراوح بين 400-500 متر .. إن في لبنان طاقات هندسية مميزة قادرة ، إذا ما وضعت بتصرّفها الامكانات المناسبة ، على تحقيق انجازات يفخر بها العالم وينهض و ويزدهر بها لبنان .
الاخوات والاخوة الاحباء في القوات اللبنانية
" ضعوا يدكم على المحراث ولا تتطلعوا الى الخلف " ، تجنبوا هدر الوقت في المهاترات التي يطلقها البعض قصداً بهدف الهائكم واخفاء خطيئته الكبرى الاستراتيجية بالتخلي عن المسألة الوطنية وتحويل قسم من شعبنا الى قوة تعطيل لا الى قوة فعل ايجابي في المعادلة اللبنانية. وحاذروا في هذه المرحلة الدقيقة كل اساليب السخرية والشماتة باية جهة قريبة او بعيدة. ان قوتكم الحقيقية هي قوة ايمان نفسية ومعنوية واخلاقية قبل كل شيء. وفي مثل هذه الظروف والاحوال والاحداث يبان معدن الرجال الرجال. فقوة الشعوب هي قبل كل شيء وبعد كل شيء في روحها. واهم رسالة لهذه الروح هي وضعها في خدمة الحرية. ذلك ان اعظم المقاومات في التاريخ واكثرها ثباتاً وشرعية واستمرارية ونبلاً هي المقاومة من اجل الحرية. وليكن شعاركم الدائم قول بولس الرسول " ان الشدة تلد الصبر، والصبر يلد الرجاء والرجاء لا يُخيّب صاحبه".
وفقكم الله.