#adsense

“المستقبل”: لماذا لم تشكل الحكومة بعد؟

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في صحيفة "المستقبل": لا يعرف اللبنانيون عن أسباب عدم تشكيل حكومتهم العتيدة، برغم مرور أكثر من شهرين على التكليف، سوى سببين اثنين يجري الكلام عنهما في العلن، أولهما أن طرفا نيابيا يشعر بتضخم حجمه ووزنه لا يرى نفسه الا حاكما شبه وحيد للحكومة، وثانيهما أن طرفا آخر "ضخما" بالفعل يريد أن يكرس واقعا رسمه بنفسه، عندما أعلن جهارا أنه أسقط الحكومة السابقة وكلف الرئيس المكلف، يقوم على أجندة محلية وخارجية (سياسية وعسكرية وأمنية) لا تتشكل حكومة الآن، ولا في أي وقت، ما لم تكن تعبيرا حرفيا عنها.

وقد تكون هناك أسباب أخرى، محلية أو غير محلية، لكن اللبنانيين كما يبدو لا يعرفونها، أقله لأن المعنيين الاقليميين بشأنهم لا يفتأون يرددون أنهم لا يتدخلون بتفاصيل الشأن اللبناني ولا بأسماء الوزراء وانتماءاتهم السياسية، وأن ما يهمهم هو أن تتفق القوى والأحزاب اللبنانية في ما بينها ان في ما يتعلق بموضوع تشكيل الحكومة أو بأي موضوع آخر. ويريد اللبنانيون، أيا كانت آراؤهم ومواقفهم، وحتى أيا كانت الصحة في التدخل أو عدم التدخل، أن يصدقوا ما يقال في هذا المجال.

واذا، فما الذي يحول دون تشكيل الحكومة العتيدة، خصوصاً وأنها ليست "حكومة وحدة وطنية" لكي يقال ان التشكيل ينتظر ارضاء أطراف مختلفة في ما بينها، أو تدوير زوايا بشأن قضايا غير متفق عليها، أو حتى التحوط لعدم السقوط في المستنقع الذي غرقت فيه الحكومة السابقة أو تلك التي سبقتها؟.

غني عن القول ان من شأن الحكومات التي يطلق عليها اسم "وحدة وطنية" أو "توافق وطني" أو ما شابه، أن تأخذ وقتا في تشكيلها، بحيث تأتي ممثلة للفرقاء على اختلافهم، أو حتى في الاتفاق بين هؤلاء الفرقاء على بيانها الوزاري وخطة عملها، الا أن ذلك ليس الحال بالنسبة الى الحكومة العتيدة، وهي مسؤولية أكثرية نيابية جديدة تتولى وحدها (هل هي وحدها فعلا؟!) توزيع الحصص في هذه الحكومة، وتاليا مسؤولية ما يترتب على ذلك وما تقوم به في الآتي من الأيام.

الحال الآن، أن طرفا سياسيا وازنا في البلد اختار ألا يشترك في هذه الحكومة، وأن يقوم بدور المعارضة ـ المعارضة البرلمانية الديموقراطية، وبالقمصان البيض ـ تاركا للأكثرية النيابية الجديدة أن تشكل حكومتها على طريق حل مشكلات البلد الكثيرة والمتنوعة، خصوصاً في ظل الظروف العربية المعروفة، وهو ما لم يحدث بعد. وأن اللبنانيين، المؤيدين منهم والمعارضين على السواء، يتساءلون عن دواعي ذلك من جهة أولى، وعما اذا كانت المسألة هي مسألة "تقاسم جبنة" (وأية جبنة؟!) فقط من جهة ثانية.

بين ما يقال ان المسألة هي مسألة أحجام، بل و"أكثريات" ضمن الأكثرية الجديدة، وان ما يتم منذ تسعة أسابيع تقريبا هو السعي الى اقناع الرئيس المكلف بهذا الواقع، وان الرئيس المكلف من ناحيته، اما لم يقتنع بهذا الواقع، واما أنه لا يعد نفسه أصلا ضمن هذه الأكثرية، أو انه لا هذا ولا ذاك وانما ينتظر ضوءا أخضر يأتيه من مكان آخر… من خارج ذلك الذي يشعر بأنه يتضخم حجمه ووزنه، وذلك الذي يعلم أنه ضخم فعلا لكنه يريد أن يبلغ اللبنانيين بهذه الحقيقة كل يوم. ألم يكن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يقصد ذلك عندما أعلن منفردا قراره اقالة الحكومة السابقة، ثم قراره المنفرد أيضا تكليف الرئيس عمر كرامي تشكيل حكومة جديدة، ثم أخيرا التوافق مع حلفائه على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي؟.

مع ذلك، لم تشكل الحكومة العتيدة حتى الآن، بل ويتردد أنها قد لا تتشكل لا اليوم ولا غدا ولا حتى بعد أسابيع، لأسباب لا يعرفها اللبنانيون… واذا عرفوا شيئا منها، كما ورد أعلاه، فانهم لا يفهمونها فضلا عن أنهم لا يصدقونها.

وبين ما يقال أيضا، ان تشكيل الحكومات في بلد كلبنان، حيث لا أحزاب كبيرة ولا أكثريات مطلقة، يقوم على توافقات تؤدي الى توفير قاعدة نيابية لنيل ثقة المجلس النيابي من ناحية وتمرير مشاريع القوانين فيه من ناحية ثانية، وان هذه القاعدة النيابية غير مهددة أقله حتى الآن (خسارة ثمانية أصوات مرة واحدة، على سبيل المثال) على خلفية عدم اشتراكهم في الحكومة.

وبين ما يقال كذلك، ان التطورات المتسارعة في المنطقة كان لها تأثير سلبي (في التباطؤ على الأقل) على المساعي المبذولة لتشكيل الحكومة، وان الرئيس المكلف كان يتوقع موقفا مختلفا ليس من سوريا فقط، وانما من ايران أيضا، يساعده على حل العقد وبالتالي الاسراع في التشكيل، لكن الدولتين مشغولتان في الوقت الحالي بقضايا أكثر أهمية من تشكيل أو عدم تشكيل الحكومة في لبنان.

مع ذلك، فالواقع الذي يصفع الناس أن الحكومة لم تشكل بالرغم من مرور تسعة أسابيع على التكليف، بل وأكثر فانه يتردد على مسامعهم من وقت الى آخر أنها قد لا تشكل في المستقبل القريب، من دون أن يعرفوا سببا مقنعا واحدا يبرر التأخر في التشكيل بما يعنيه ذلك من تعطيل لعمل الدولة ولمصالح الناس الأساسية.

قبل المرحلة الحالية، كان اللبنانيون مشغولين بمسائل محددة، وان يكن بعضها مفتعلا ومن دون مبرر، لكنها كانت لها أسبابها في أي حال. كانت هناك مسألة ما يسمى "شهود الزور"، ومسألة من يضع جدول أعمال مجلس الوزراء، ومن يدير الجلسات، ومن يقرر متى وكيف يطرح بندا من البنود على التصويت. كان هناك الموقف من سلاح "حزب الله"، والموقف من القرار الظني للمدعي العام الدولي وتاليا من "المحكمة الخاصة بلبنان". بل حتى كانت هناك الحرب المعلنة على رئيس الحكومة سعد الحريري، مع ما كان يرافقها من عمليات تخريبية ضده من داخل الحكومة نفسها.
لكن ما يشغل اللبنانيين في هذه المرحلة مختلف تماما. يشغلهم سؤال واحد: ما هو الموضوع الآن، بل ما الذي يحول في واقع الأمر دون "توافق" الذين "توافقوا" قبل شهرين على اسقاط الحكومة السابقة وتشكيل أخرى، على تشكيل هذه الحكومة؟!.

هل السبب محلي فقط، وهل هو كما يقال عائد الى شعور البعض بتضخم حجمه ووزنه، وشعور البعض الآخر بقدرته على توزيع "جوائز ترضية" كيفما كان؟.

أم أن هناك أسبابا أخرى؟.

يستحق اللبنانيون أن يحصلوا على اجابة وافية عن السؤال.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل