لا ينفكّ منسوب العبثية يرتفع ويعلو في السياسة اللبنانية، خصوصاً وأنّ المشروع الفئوي المسلّح الذي يهيمن على البلاد من دون أن يعرف كيف يشكّل حكومة، قد جعل من العبثية سياسة عامة تتبعها الديبلوماسية اللبنانية.
فهذه الديبلوماسية المحتجزة فئوياً وقعت في سقطة كبيرة في موضوع ساحل العاج، وناصرت فريقاً معزولاً دولياً في أبيدجان بوجه الفريق المعترف به دولياً، متسببة بمآس للبنانيين ومعرّضة مصالحهم للخطر.
وهذا بدوره يطرح السؤال عمّا يمكن لهذه السياسة أن تسفر عنه في ما يتعلّق بعلاقة لبنان بالخارج وبالمجتمع الدوليّ. فمناصرة قوى 8 آذار لفريق لوران غباغبو المعزول في ساحل العاج تعكس بشكل أو بآخر المعرفة شبه اليقينية عند قوى 8 آذار، بأنّها ستكون معزولة دولياً على طريقة لوران غبابو إن هي تولّت السلطة بشكل اعتباطيّ، وعلى أساس الإرتباط بالمشروع الإيرانيّ وفي مواجهة المجتمعين اللبنانيّ (في شقّه الإستقلاليّ التعدّدي) والدوليّ.
وهذا يفتح على مشكلة ثانية: فقوى الممانعة في لبنان كانت تفضّل في وقت من الأوقات لو كان يمكنها التلطّي وراء قناع ديبلوماسيّ ليس منها، الأمر الذي يسهّل حركتها ويخدم مرادها، أكثر بكثير من قناع ديبلوماسي مكشوف ومعقود اللواء لها مباشرة. إلا أنّها لم تعد تتمالك نفسها في السنوات الأخيرة، وما عادت قادرة ولا راغبة بغير الديبلوماسية الفئوية، أي بسياسة خارجية لا تقرّرها الدولة بشكل مؤسسي ودستوريّ، وإنّما تفرض نفسها على الدولة ومرجعيتها، متجاهلة الفصل بين السلطات حيناً، ومتجاوزة الصلاحيات وحدود المهام حيناً آخر.
وهذا بدوره يعبّر عن أزمة أكثر اتساعاً، مشابهة إلى حد كبير لأزمة تشكيل الحكومة.
فقوى الممانعة تفضّل عموماً أن تتحّكم بمصائر العباد في لبنان من دون أن تتحمّل أي مسؤولية في تسيير شؤونهم. وهي تفضّل تالياً أن يكون الحكم اللبنانيّ وسيطاً بين قوى الممانعة والمقاومة المتسيّدة على لبنان وبين المجتمع الدوليّ والغرب. لكنّها تعود وتطالب هذا الحكم بأن يكون وسيطاً منحازاً لها بتمامه، وأن يوفّر لها أسباب الثقة به أوّلاً بأوّل، أي أنّها، وباختصار، تريد الشيء ونقيضه.
تريد قوى الممانعة وسيطاً يساعدها ولا هامش للحركة لديه ولا للإستقلالية. والأنكى أنّها تريده وسيطاً لكنّها تبادله بالشكّ الدفين في الأوّل، ثم بالشكّ المصرّح عنه، ثم بالتحامل عليه.
فالممانعة إذاً واقعة لبنانياً بين حيص بيص: تعلم أنّ الغطاء الديبلوماسيّ أو الحكوميّ عموماً، وكي يحميها، عليه ألا يكون مرتبطاً عضوياً بها، وتعلم في المقابل أنّ الغطاء الديبلوماسيّ أو الحكومي إن لم يأت مستقلاً عنها فإنّه سيأتي بلا رصيد يذكر، إلا على نحو سلبيّ كما يستدلّ من تعاطي وزارة الخارجية مع ملف ساحل العاج.
لا يعني ذلك أنّ الممانعة التي يقودها "حزب الله" في لبنان وإيران في المنطقة، هي من النوع الذي لا نية لديه في الإستيلاء على السلطة مباشرة، وأنّه سيبقى يسعى الى أغطية وسيطة. فالأمر لا يخضع من هذه الناحية لمحدّدات محلية فقط، وإنّما لأهواء إقليمية قبل كل شيء.
وحتى أمس قريب، بحّت قوى 8 آذار صوتها وهي تشدّد على أنّ الرئيس نجيب ميقاتيّ "وسطيّ" وأنّ الحكومة العتيدة ستأتي متعدّدة الألوان ولو لم تشارك فيها الأكثرية الشرعية (كما خرجت من صناديق الإقتراع) ولو رفض معظم النواب المسيحيين والمسلمين السنّة اعطاءها الثقة (الفقرة ياء تعطلّها القمصان السود على كيفها). إلا أنّه، ومع تأخّر الضوء الأخضر الإقليميّ للتعجيل بتشكيل الحكومة، ثم مع بلوغ إشارة إقليميّة معيّنة بأنّ الأمور قد تكون مفتوحة على كلّ الإحتمالات، بما في ذلك حكومة مواجهة شاملة مع المجتمعين اللبنانيّ والدوليّ، ما عادت "الأكثرية الجديدة" تستحي وصارت تضغط على الرئيس ميقاتي كي لا يصدّق حكاية "وسطيته" و"تعدّدية الألوان" وما إلى ذلك من مثاليات ليس يجيزها الواقع اللبنانيّ ولا نزوات الممانعة الإقليمية والمشروع الإيراني الذي يقودها.
وهذا دليل على أنّ المشروع الفئويّ الموالي لإيران في لبنان ما عاد يستطيع التكيّف مع أي مرتكز يقوم عليه الميثاق الوطنيّ بين المجموعات اللبنانية، وأنّه انتقل من مرحلة التلطيّ وراء "الديموقراطية التوافقية"، ثم وراء "تبدّل أمزجة البرلمانيين صدفة" لأجل العودة إلى ميزان العددية.. لكنه أيضاً يكشف الدليل، أنّ أزمة فريق الممانعة هي هي.. تريد من يتستّر عليها حكومياً وديبلوماسياً، لكنها لا تعرف من ثمن تقدّمه لقاء ذلك غير التشكيك والمزايدة في مواجهته.