#adsense

الدرس الثمين

حجم الخط

كلما أمعنت مسيرة الانقلاب في خطّها، انكشف عمق المأزق غير المسبوق الذي وجد فيه الانقلابيون أنفسهم، وفي مقدّم هؤلاء بطبيعة الحال، الحزب القائد والرائد الباحث عن غطاء شرعي يُظلّل مشروعه ويموّه مظهره وهويته وأهدافه.

وبالإذن من ادعاءات صاحب المقامات الإصلاحية ولسانياته المعهودة، وفتوحاته الوصفية والبلاغية، فإن المأزق الانقلابي يبقى أكبر منه بالتأكيد، كما انه أكبر من كل دور على حدة. وفي ذلك يتساوى الجميع، من الأول في القرار الى الرديف الى الأداة الى مكبّر الصوت، وصولاً الى الباحث عن دور في السلطة التنفيذية لم يستطع أن يجده في السلطة التشريعية.

وفي السيرة الأولى قيل، ان لبنان يسهل بلعه لكن يصعب هضمه. فيه توازنات وجغرافيات سياسية وادوار وحالات، كلها في مجملها تؤدي الى محصلة تجعله أكبر من حدوده الطبيعية. وأكبر بالتأكيد من نتعات بعض انقلابييه وطموحاتهم ومشاريعهم. انه بمعنى ما، نقطة تماس حساسة بين حالات سياسية إقليمية ودولية استراتيجية متنافرة. والانقسام فيه، مهما استعر أواره، يفترض ان لا يؤدي الى كسر مركزي في تلك الوضعية.

وللتذكير، فقد احتاج (مثلاً) أمر إنهاء حالة ميشال عون في مطلع تسعينات القرن الماضي، الى تقديم ثمن يُعتدّ به في الكويت في حرب تحريرها من صدام حسين وقواته.. و"التلزيم" الذي تمّ في لبنان بعد ذلك، ما كان إلا نتيجة أو تحت تسوية كبيرة اسمها اتفاق الطائف. وما كان ذلك التلزيم ليتم في الأصل بالطريقة العنفية والعسكرية التي تم فيها لولا شطط الجنرال "أبو مدفع" وابتعاده عن القراءة السياسية الدقيقة مستبدلاً إياها بشعارات غوغائية أجفلت كل الناس، ودفعتهم الى الاصطفاف المرحلي في وجهه.. الى إخراج كسر بالتراضي لستاتيكو استمر على مدى 15 عاماً!

قبل ذلك، كانت أثمان كبيرة وباهظة قد دُفعت نتيجة قراءة أحادية غير مكتملة لأصحابها، افترضت إمكان كسر ذلك الميزان الدقيق والحساس، الذي لا يحتمل الخبطات الثقيلة ولا الأوزان الحديدية الاستثنائية والاضافية.

انه تقريباً واحد من أبرز دروس الحالة اللبنانية المفتوحة على الخارج، منذ أن باشر اللبنانيون حربهم ولم تعد ملكهم وحدهم.. ومنذ أن قرروا بالتساوي، وكلٌ من خندقه ومتراسه وبيانه الحزبي أو الطائفي أو المذهبي، تشليع الدولة وسلطة القانون الجامعة، ودكّ السياج العام المزنّر للجمهورية والدال الى وجهها وهويتها.

انه الدرس الأول البسيط في مدرسة المسلّمات والثوابت اللبنانية. هناك من لم يقرأه فدفع الثمن. وهناك من قرأه ولم يستوعبه فدفع الثمن. وهناك من قرأه واستوعبه وقرر أن لا يأخذ به.. فدفع الثمن أيضاً أو يكاد!
..الانقلاب المعهود إياه، واحد من أبرز وأخطر "محاولات" الكسر والفرض والخروج على أدبيات ذلك الدرس الثمين. أبطاله يلعبون، أو يراهنون، أو يتوهمون، أو يقرأون في نصّ آخر ملتبس عن قصد، لكنه واضح الأبعاد الإقليمية والارتباطات الامبراطورية. ولأنه كذلك، فإن مسيرة الانقلابيين دونها مطبّات كبيرات. ولسنا إلا في بداية السير. أما مواقف أبو العناتر الجنرال "أبو مدفع"، فهذه نحكي بها لاحقاً. لو سمحتم.. شكراً جزيلاً كثيراً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل