كتب طوني عيسى في "الجمهورية":
عن سابق قصد، قرّر الرئيسان سعد الحريري وفؤاد السنيورة وسائر رؤساء الحكومات السابقين، عدم حضور الاجتماع الأخير للمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى. أرادوا إخلاء المجال للرئيس المكلّف كي يبوح بكل ما عنده أمام المرجعية المدنية للطائفة، وتبادله القيام بالأمر عينه.
وجد ميقاتي "فتوى" لتخفيف الضغط عنه. ووجدت الدار "فتوى" مماثلة لاستيعاب ضغوط التأليف، ومعها استيعاب ميقاتي في "مزاج الطائفة". وهذا المزاج هو عينه مزاج الرئيس الحريري و"تيار المستقبل"، وهو يلقى دعما ثابتا لدى المرجعية الإقليمية، أي السعودية.
في اجتماع دار الفتوى السابق، كان ميقاتي واحدا من رؤساء الحكومات الحاضرين. بدا همّه الأول والأخير إثبات أنه "ليس خائنا للطائفة" بقبوله التكليف بعد إسقاط حكومة الرجل الأقرب إلى المفتي والدار، الرئيس الحريري. وأنه لن يفرّط في موقع الطائفة وكرسي الرئاسة الثالثة لمجرّد قبوله التكليف بتسمية من القوى الشيعية.
كانت رائحة الدواليب المحترقة في الشوارع، والصراخ السنّي من طرابلس وعكار إلى إقليم الخرّوب، مرورا ببيروت في "يوم الغضب" لا يزالان حاضرين. فصدر بيان دار الفتوى يومذاك يحمل دعما، ولكنّه مشروط. كان في منزلة وسطى بين الدعم والتحذير.
حاول ميقاتي في ذلك الاجتماع أن يقول: أنتم تظلمونني. وستكتشفون بالتأكيد أنني حريص على الطائفة وموقعها كما "سواي". وإنني لن أؤلّف حكومة اللون الواحد. ولن أتخلّى عن المحكمة، ولن أكرّس مشروعية استخدام السلاح في الداخل. ولكن هذا كله سيتحقق بتوافق اقليمي ودولي يشبه ذلك الذي حظيت به حكومتي العام 2005.
تفاءل ميقاتي يومذاك. وكان على ثقة بأن مهمته "الوسطية" ستنجح.
هو يؤمن أساسا بأنّ "الوسطية" علاج شاف للأمراض في لبنان. عندما تدخل موقع نجيب ميقاتي الإلكتروني الرسمي، تحسب نفسك أمام فيلسوف "الوسطية"، لأنه يحجز مكانا ثابتا في الموقع لدراسة تفصيلية حول هذه الفكرة.
"تحت التجربة" بقي ميقاتي شهرين ونصف الشهر. هو يجرّب الهرب من اللون الواحد، والحريري وداعموه السنّة يجرّبون ميقاتي لعله يحظى بالغطاء الإقليمي الدولي الذي يقيه السقوط تماما في قبضة "حزب الله" و8 آذار. وكانت مغامرة من الجميع أن يجرّبوا المجرَّب العام 2005. فالمعادلة مختلفة اليوم.
بدا اجتماع دار الفتوى، يوم السبت، محجوزا لميقاتي فقط. عاد إلى الأحضان: أنا منكم وفيكم. ساعدوني.
صقور 8 آذار صعّدوا شروطهم في وجه ميقاتي في الأيام الأخيرة. لم يعودوا يكتفون بالداخلية لعون، وتوزيع الحصص أو النسب، بل دخلوا البيت السنّي… والطرابلسي تحديدا. كأنّهم يتعمّدون افتعال مشكلة مع ميقاتي، وله.
ومن داخل بيت كرامي، أرادوا إفهام الرئيس الذي "كلّفوه" هم تأليف الحكومة، أنهم ما زالوا يضعون عمر كرامي في الموقع المميز. إنه رجُلُهم السنّي المفضَّل، ويحمل رمزية خاصة. فهو رئيس الحكومة الأخيرة قبل خروج سوريا العسكري من لبنان. إنه رئيس آخر حكومة "لنا". ونريد تصحيح "الخطأ" الذي وقع العام 2005.
يدرك ميقاتي أنّ اشتراط توزير فيصل عمر كرامي هو دعوة مبطّنة له إلى الاعتذار، أو إلى إعلان تشكيلة لا تنال الثقة… فيأتي الاعتذار تلقائيا، لأن الدستور يفرض عندئذ استشارات الزامية لتسمية رئيس جديد للحكومة.
طال صبر حزب الله على ميقاتي. وطال صبر ميقاتي على حزب الله. واقتربت ساعة الحقيقة. ولأن ميقاتي هو الحلقة الضعيفة في التفاصيل التقنية الداخلية للمعركة، وليس "حزب الله"، فإنه وجد نفسه أمام خيار العودة إلى الطائفة.
اكتشف أن خوض معركة الزعامة مع الأقطاب في البيت السنّي أسهل عليه من خوض المواجهة مع "حزب الله". وفي أي حال، هو لا يستطيع الخروج من "البيت"، فيما الحريرية أصبحت تمثالا مرفوعا في وسط بيروت، وفيما سعد الحريري يحظى بعطف متزايد. وهو لا يريد أن يحترق سنيا، فيحترق مستقبله كرئيس محتمل لرئاسة الحكومة دائما. فالطريق إلى السراي الكبير تمر حتما بدار الفتوى. وإذا ما حصل تجاوز لعائشة بكار ذات مرة، فالإقامة في السراي تكون قصيرة، وتكون الأولى والأخيرة على الأرجح.
ميقاتي لم يقل في الاجتماع كلاما مختلفا عما يعلنه. والمواقف التي أطلقها أمام علماء الدين ليست جديدة: شرح حيثيات العراقيل الداخلية لتأليف الحكومة. وشكا تجاوز صلاحيات رئاسة الحكومة في عملية التأليف. وأكد بوضوح أنه ليس في وارد التراجع بمعزل عن المدة التي يستغرقها الوصول إلى مخرج.
دار الفتوى التقطت الكرة التي مرّرها ميقاتي، فأصدرت بيانها المتمسّك بـ"الثوابت الإسلامية". وجاء فيه أن "جميع" الحاضرين أكدوا التزامها في الاجتماع، وأبرزها المحكمة الدولية ورفض السلاح. البيان "ألزم" ميقاتي… أو هو "أكد" التزامه.
عمليا، هناك "احتضان متبادل". ميقاتي حظي بـ"حضن" يسند إليه رأسه لئلا يبقى وحيدا… ويندم! ودار الفتوى مرتاحة لدور الحضانة، من دون أن يصل ذلك إلى حد إثارة حفيظة "الابن المدلّل" سعد الحريري.
على الأقلّ، بالنسبة إلى دار الفتوى، هناك رئيس مكلّف لا ينخرط بالكامل في معسكر سوريا و"حزب الله". ولأن الدستور لا يفرض عليه الاعتذار ولا يحدّد له مهلة زمنية للتأليف، فإن وجوده في خانة التكليف هو كسب لدار الفتوى والسنّة عموما، ولا يجوز التفريط فيه أو تركه وحيدا يقلّع شوكه بيديه، كما يعلن بعض أركان "تيار المستقبل". وموقف هؤلاء لا يعبّر بالتأكيد عن مواقف قيادة "التيار" والرئيس سعد الحريري تحديدا.
الرئيس الحريري بات أكثر وضوحا وواقعية في موقفه اليوم: زالت عنه ثورة "يوم الغضب". ثابت في رفضه "وصاية السلاح" الذي أطلقه في 13 آذار، لكنّه ينظر في واقعية إلى ميقاتي.
هو يريد أن يتجه الرئيس المكلّف من وسطية قريبة من 8 آذار، إلى وسطية قريبة من 14 آذار. وبالتعبير الهندسي من "الوسطية -" إلى "الوسطية+". وهو مرتاح إلى دور دار الفتوى في تحقيق ذلك، ضمن حدود عدم "تكبير" حجم ميقاتي ليتحول إلى "شهيد" المعركة من أجل صلاحيات السنّة، ولا "البطل". فهذا خط أحمر لأنه يمسّ حجم "تيار المستقبل" الذي يحظى بالرمزيتين: الشهيد والبطل في القواعد السنية الشعبية، بنسبة 70 في المئة على الأقلّ، وفق ما أثبتت معارك الانتخابات النيابية.
يهم الحريري أن يخرج ميقاتي من الغالبية الجديدة، فـ"يفرطها" وترتاح 14 آذار. لكنّه يحاذر الإفراط.
وفي أي حال، أن يؤمّ ميقاتي دار الفتوى، فهذه علامة على أنّ لا حكومة في الأفق، لا القريب ولا البعيد. لأنّ هذا اللجوء إلى البيت الطائفي قد يكون الورقة الأخيرة التي يلعبها ميقاتي:
إمّا في انتظار اللحظة الإقليمية – الدولية التي اخطأ في توقعها عندما وافق على التكليف. وهو سينتظرها طويلا في ظل انعدام الوزن الإقليمي.
وإمّا في طريق العودة إلى التموضع السابق، قريبا من "تيار المستقبل" أو حليفا انتخابيا له في طرابلس، كما العام 2009. وهذا يعني تخليه عن متاعب تأليف الحكومة وأوجاع الرأس. يجوز الوجهان.
لكن في الانتظار، يصبح ميقاتي حاجة الضرورة لـ14 آذار بعدما كان حاجة الضرورة لـ8 آذار عند تكليفه.
شبه انقلاب على الانقلاب؟
قد يكون مبكرا القول بذلك، لكن المؤشرات إليه ليست قليلة.