كتبت منال شعيا في صحيفة "النهار":
لنبدأ من النهاية: لو كان اللبنانيون ينعمون بنقل عام منظم، لكان الكثير منهم وفرّ اقتناء سيارة والتفتيش عن مكان لها، واختصر الكثير الكثير من تضييع الوقت، عالقا في ازمة السير الخانقة. هي معادلة بسيطة: تخفيف عدد السيارات يخفف حكما الازمة.
لا يختلف اثنان على وصف ازمة السير، وقلة تضع تصورا لحلها، وكثر يتحدثون عن مشكلة النقل العام في لبنان. وباستثناء اللغة الخشبية والعبارات الاعلامية، لا يبدو ان ثمة افقا للخروج من عنق الزجاجة. وحدها الارقام تخيف، اذ كشفت احصاءات حوادث السير في لبنان والصادرة عن قوى الامن الداخلي لعام 2010، ان مجموع الحوادث بلغ 4583، اسفرت عن 549 قتيلا و6517 جريحا.
هو واقع رقمي يقابله واقع اقل بشاعة، من زحمة يومية الى حوادث بالجملة، الى "قلة اخلاق" على الطرق. في اختصار، ثقافة السير غائبة محليا.
وفيما نشط مجلس النواب لاعداد قانون سير جديد، رأى فيه كثيرون انه باب للحل، لا يزال هذا القانون المنتظر اسير أدراج اللجان النيابية المشتركة،
في انتظار تشكيل الحكومة. و"للمصادفة"، وخلال الاجتماع الاخير لهذه اللجان، استقال الوزراء وسقطت الحكومة وتجمدّ كل شيء. بات مصير القانون ينتظر عودة الحياة الطبيعية الى المؤسسات، لانجازه. ولكن، ثمة ما هو ابعد من قانون. وقد لفت تصريح رئيس لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النائب محمد قباني اخيرا، حين طالب "بورشة للنقل العام، لان لا حل من دونه".
حرم السكة
ربما هي مفاجأة ان يدرك اللبنانيون ان استعمال القطار لا يزال ممكنا في لبنان. وفق قباني هذا الحل لا يزال مطروحا، قبل فوات الاوان، لكون حرم سكة القطار لا يزال متوافرا. يقول: " على الرغم من الالحاح المستمر والتوصيات المتكررة لمناشدة وزارة الاشغال وضع خطة عامة للنقل العام،، لم يصلنا شيء الى مجلس النواب، اذ لا حياة لمن تنادي".
في لبنان نحو مليون ونصف مليون سيارة، ووفق موقع "اليازا"، فان نسبة حوادث السير عبر السيارات (اي ليس الشاحنات والدراجات) تبلغ 67.794 في المئة، اي اعلى نسبة، فيما تبلغ حوادث الشاحنات نحو 6 في المئة، والدراجات 26 في المئة.
وفق قباني، يبدو تطوير النقل العام ملحا ضمن خطة عامة، تشمل شراء باصات جديدة. لكنه في المقابل، لا يخفي ان ثمة حلا عبر استعمال سكة الحديد، وبالتالي اعادة تشغيل القطار. ويكشف انه بفضل اتصالاته، استطاع التواصل مع مؤسسة JORSA وهي مؤسسة يابانية متخصصة بالقطار، وقد اتصل قباني بالسفير الياباني في لبنان، ووعده الاخير بإبلاغ الامر الى حكومة بلاده، تمهيدا لارسال بعثة متخصصة تصف واقع السكك الحديد وتضع الحل.
يقتنع قباني بأنه وحده لا يستطيع العمل، لكنه يدق هذا الباب مدركا انه يحتاج الى الكثير من الوقت والجهد، ولكن لا بد من البداية. ويرى انه: " يمكن استعمال القطار على الخط الساحلي، وتحديدا من جونيه في اتجاه مدخل بيروت الشمالي، لكون هذا المدخل لا يستوعب بعد الزفت وسيارات. اما داخل بيروت الكبرى، فيمكن استعمال المترو على خطوط رئيسية، وهذا الامر يتطلب دراسة".
قد يعتقد البعض ان رئيس لجنة الاشغال، وهو المهندس الخبير في احوال لبنان، يحلم كثيرا بتنفيذ هذه الخطة. ربما صحيح هذا الاعتقاد، ولكن ينبغي التنبه لان انجاز قانون للسير، مهما يكن متطورا وعصريا، لا يفي وحده بالغرض. وهنا لا بد من مواكبة فعلية له.
ثقافة السيارة
هذه المواكبة فصلّها قباني لـ"النهار" عبر مفصلين، تربوي تثقيفي، وأمني. لذلك، تتحضر لجنة الاشغال لعقد اجتماعات مع المعنيين، منتصف الشهر الحالي، للبدء بالتصوّر المطلوب.
في الشق التثقيفي، يقول رئيس اللجنة: "لا بد من ترسيخ جذور ثقافة السير في مرحلة التعليم الابتدائي، بحيث تشمل دروسا في المبادىء الاساسية للقانون، مثل التوقف على الضوء الاحمر، او عدم تخطي السرعة المطلوبة. هكذا، يمكن ابن الثمانية اعوام ان ينبه والده اذا خالف هذه المبادىء. اما في المرحلة المتوسطة والثانوية، فيصبح التعليم متقدما اكثر، وعندما يبلغ الفرد السن التي تؤهله للقيادة، تصبح هذه التعاليم جزءا من ثقافته".
هذه النقلة النوعية، يمكن تحقيقها، وفق قباني، "بالتعاون مع وزارة التربية والمركز التربوي للبحوث والانماء لادخال التوعية في المناهج، بالاضافة الى وسائل الاعلام. والتثقيف لا يتوقف عند هذا الحدّ، بل لا بد من اعداد ذوي الاختصاص، بالتعاون مع المديرية العامة للتعليم المهني والتقني واستحداث برنامج لتخريج اصحاب اختصاص يحملون شهادات الامتياز الفني، ولاسيما في حقلي تعليم قيادة السيارات وخبراء السير، لكون المجالين ليس فيهما اعداد مسبق، بل ان الرخص تعطى لمن يدفع الرشوة المطلوبة. انه واقع ينبغي تغييره".
هذا الكلام على ذمة رئيس لجنة الاشغال. هو يرغب في "الانتقال من ثقافة السيارة الى ثقافة السير". الا ان الجانب الاهم والاكثر اتصالا بالمواطنين هو الجانب المتعلق بشرطة السير. يعتبر قباني ان "ثمة استرخاء في تطبيق القوانين، رغم ان القانون الجديد ينص على انشاء وحدة متخصصة لشرطة السير، وقد أوصت اللجنة بذلك منذ اعوام، الا انها واجهت اعتراضات من ضباط كبار يريدون ان تبقى شرطة السير تابعة للتوزع الجغرافي لهذه القيادات. من هنا، اصطدمت بالكثير منهم، واستثني المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي الذي كان متفهما لصدور القانون، لانه لا بد من الانتقال الى مركزية العمل في موضوع السير، فيكون رئيس وحدة السير ضابطا وعضوا في مجلس قيادة السير ومرتبطا مباشرة بالمدير العام. هذا الامر يتطلب ايضا انشاء معهد للسير متخصص ضمن المديرية العامة لقوى الامن الداخلي لتدريب شرطة السير، سواء اكانوا ضباطا ام رتباء ام افرادا، ولا يستطيع بعد ذلك احد ان ينقل شرطي سير الى مرافق نائب او وزير او ضابط او رئيس!
وبعد… ليس غريبا في "بلاد الصفقات"، ان تعلم ان قوى الامن تلقت سابقا مجموعة من الدراجات الممتازة من نوع HARLEY DAVIDSON وقد تم تدريبها، ولكن سرعان ما باتت الدراجات من عدّة المرافقين للمسؤولين والسياسيين! انها فضيحة واساءة الى الوطن.
حين تسأل قباني هل هو متفائل بورشة قريبة للنقل العام، يجيب: "بدّي قاتل". انا التزم عبركم امام الرأي العام".
انه التزام، فهل يبصر النور بتعاون كل الوزارات، ام ان ملف السير سيبقى اسير الرشوة والسمسرة والصفقات، كما نحن اسرى الزحمة؟!